
الخدمة العامة بين جراح التفكيك وارتباك ما بعد الحرب
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*لم تكن الخدمة العامة في السودان جهازاً إدارياً محايداً فحسب، بل كانت على الدوام الوعاء الذي تتجمع فيه خبرات الدولة وذاكرتها المؤسسية وقدرتها على الاستمرار. لذلك، فإن ما أصابها خلال السنوات الأخيرة لم يكن مجرد خلل عابر، بل تحول عميق أضعف بنيتها وأربك وظيفتها، ووضع الدولة نفسها أمام اختبار قاسٍ في قدرتها على إدارة شؤونها.
*في المرحلة التي سبقت حرب أبريل 2023م، اندفعت سياسات (لجنة إزالة التمكين) سيئة الذكر. بوصفها مشروعاً للإصلاح، لكنها في التطبيق اتخذت مساراً سياسيا ظالما وواسعاً وومفتوحاً على إجراءات جماعية جرفت الخدمة العامة من قياداتها وخبراتها وأثارت أسئلة جدية حول المعايير والضمانات والعدالة . فقد طالت قرارات الفصل أعداداً كبيرة من العاملين في الخدمة العامة، من مواقع عليا إلى أدنى المستويات الوظيفية، بما في ذلك قطاعات حيوية كالتعليم العالي والقضاء والخدمات الأساسية. إذ لم يسلم عمال النظافة في صحة ولاية الخرطوم منها. هذا الاتساع لم يكن مجرد إعادة ترتيب إداري، بل أحدث فجوة حقيقية في التراكم المهني، وأضعف الخبرة المؤسسية التي لا تُعوَّض بسهولة.
*ومهما قُدِّمت مبررات سياسية لتلك الإجراءات، فإن غياب المسارات القانونية الصارمة والآليات الشفافة للمراجعة جعلها عرضة للتشكيك، ليس فقط من حيث عدالتها، بل من حيث أثرها على استقرار الدولة نفسها. فالمؤسسات لا تقوم على النوايا، بل على قواعد مستقرة تضمن استمراريتها وتحميها من التقلبات.
*تزامن ذلك مع سياسات اقتصادية مرتبطة بالمصادرة والاسترداد، أسهمت – بدرجات متفاوتة – في إضعاف الثقة في البيئة الاستثمارية. رأس المال بطبيعته يتجنب المخاطر غير المحسوبة، وعندما تختلط السياسة بالاقتصاد دون ضوابط واضحة، تكون النتيجة المباشرة هي تراجع الثقة، وهو ما انعكس على الإيرادات العامة حتى قبل اندلاع الحرب.
*ثم جاءت حرب أبريل 2023م لتكشف هشاشة ما تراكم من اختلالات. فقد وجدت الدولة نفسها مضطرة لإدارة مؤسساتها بموارد بشرية محدودة، معتمدة على من توفر في مواقع بديلة، وهو وضع يمكن تفهمه في سياق(الطوارئ)، لكنه لا يصلح أن يكون قاعدة دائمة لإدارة جهاز بحجم الدولة.
*في قطاع الإعلام الرسمي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً الإذاعة والتلفزيون، اللذان يفترض أن يكونا لسان حال الدولة في أوقات الأزمات، يعملان بعدد محدود من الكوادر مقارنة بالحجم الطبيعي، بينما ظل معظم العاملين خارج دائرة الفعل، إما بسبب ظروف الحرب أو نتيجة تراكمات سابقة.. ورغم تحسن الأوضاع الأمنية في الخرطوم، فإن العودة الكاملة إلى مقار العمل، خاصة في أم درمان، لم تتم بالوتيرة التي تقتضيها المرحلة.
*التفسير الرسمي يميل إلى الإحالة على معوقات فنية تتعلق بالبنية التحتية وأجهزة الإرسال، غير أن هذا التفسير يواجه مفارقة واضحة: القدرة على تشغيل بث جزئي لساعات محدودة تقوض فكرة العجز الكلي.. فالمؤسسة التي تستطيع أن تبث، ولو لساعات، تملك بالضرورة الحد الأدنى من القدرة التشغيلية الذي يمكن البناء عليه تدريجياً لاستعادة العمل الكامل.. هنا لا يبدو الخلل تقنياً خالصاً، بل أقرب إلى تردد إداري أو ضعف في اتخاذ القرار، أو كليهما معاً..اقول ذلك وامثالي ينظرون بحسرة والم لتراث هذه الأمة ممثلا في المكتبة الصوتية للإذاعة السودانية والمكتبة والمرئية للتلفزيون دون وجود مولد للكهرباء ينقذ هذا الثراث الضخم من الضياع؟ وللأسف حتى الآن تعيش تلك المكتبة حالة بؤس مميت.
* سيدي رئيس مجلس الوزراء أرجو أن تزور المكتبة الصوتية للإذاعة السودانية والتي بها أكبر مخزن لتراث هذه الأمة وتأكد بنفسها لماذا هذا الحال؟ استشعر نفر من الزملاء ذلك وافلحت جهودهم في توفير مولد لتشغيله لصالح المكتبه وتشغل إلاذاعة والتلفزيون ولكن للأسف ظل قابعا بحوش إلاذاعة بحجة أنه يحتاج لمبلغ أحد عشر مليون لتشغيله.. أما المحولات الكهربائية والتي وجهتم سيدي رئيس مجلس الوزراء وقبلكم توجيهات لجنة الفريق ابراهيم جابر طيبه الذكر لايعرف لها أثر ولامسار.
*ويزداد التعقيد مع ملف توفيق الأوضاع، الذي صُرفت فيه مبالغ كبيرة دون أن يقابله وضوح كافٍ في النتائج. فالعاملون الذين تمت تسوية (أوضاعهم) لم ينخرطوا جميعاً في دورة الإنتاج الفعلي، وبعضهم ما يزال خارج مواقع العمل الطبيعية.. هذا التباين بين الإنفاق والنتائج يطرح سؤالاً مباشراً حول كفاءة إدارة الموارد، وحول الآليات التي تضمن ربط الصرف العام بالأداء الحقيقي.
*في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه الاختلالات عن دور مجلس الوزراء بوصفه الجهة المسؤولة عن رسم السياسات العامة ومتابعة تنفيذها.. إصدار القرارات لا يكفي في ذاته، إذ إن جوهر الفعل التنفيذي يكمن في القدرة على تحويل القرار إلى واقع ملموس، ومحاسبة من يقصر في ذلك.. الفجوة بين ما يُعلن وما يُنفذ تظل أحد أبرز مؤشرات الضعف في أي جهاز حكومي، وهي فجوة تبدو ماثلة في أكثر من ملف.
*إن السودان اليوم لا يواجه أزمة موارد بقدر ما يواجه أزمة(إدارة). فالدولة التي تعمل بنصف طاقتها، وتترك جزءاً كبيراً من كوادرها خارج دائرة الفعل، هي دولة تختار – بوعي أو بغير وعي – أن تُقيّد نفسها في لحظة تحتاج فيها إلى كل طاقاتها. إعادة بناء الخدمة العامة لا تبدأ بالشعارات، بل بمراجعة صريحة للسياسات التي أضعفتها، وبإعادة الاعتبار لمبدأ الكفاءة، وبإرساء قواعد واضحة للعدالة الوظيفية، وباتخاذ قرارات شجاعة تُنهي حالة التردد.
*كما أن استعادة عمل المؤسسات الإعلامية بكامل طاقتها ليست مسألة إجرائية، بل ضرورة سيادية تتعلق بقدرة الدولة على إدارة خطابها العام، والتواصل مع مواطنيها، وتثبيت حضورها في فضاء يعج بالتحديات.
*المعضلة الحقيقية ليست في تشخيص الأزمة، فهي باتت واضحة، بل في( الإرادة السياسية والإدارية) لمعالجتها. فإما أن تتحول هذه المرحلة إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء جادة، أو أن تستمر حالة الدوران في الحلقة ذاتها، حيث تُستهلك الموارد وتُهدر الفرص دون أن يتغير الواقع.
*بين جراح التفكيك وارتباك ما بعد الحرب، تقف الخدمة العامة السودانية اليوم على حافة اختبار تاريخي، لا يتعلق بمصيرها وحدها، بل بمصير الدولة نفسها.