
هذه الشجرة .. مرة أخرى
بُعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى ابوالعزائم
*سألني صديقي الأستاذ صلاح مأمون خبير الترجمة ، وأحد رموز الخطوط الجوية السودانية في عهدها الذهبي، وقال أنه يذكر أنني كتبت قبل سنوات عن شجرة مسكونة في أحد المستشفيات، ضحكت وقلت له انها أكثر من شجرة ، فطلب إلى ونحن في أحد مقاهي مدينة فيصل بالقاهرة أن أنشر تلك القصة مرة أخرى، وعضد طلبه عدد من زملاء المقهى، فقلت لهم أنني أحيلهم لما تناولته تحت مسمى (هذه الشجرة)، وقد جاءت كما يلي : *فلنستعِر عنوان أحد كتب الأديب والمفكر والفيلسوف السياسي والصحفي المصري الكبير الأستاذ (عباس محمود العقاد)، وهو علم من الأعلام ، ولا يحتاج منا إلى تعريف أو توصيف ، فالرجل يعرفه السودانيون أكثر مما يعرفه غيرهم ، فقد زار العقاد بلادنا عام 1943م وهو في أوج مجده الأدبي وفي ذروة تألقه الفكري ، وكان في الرابعة والخمسين من عمره ، وقدم محاضرة في (دار الثقافة) شهدها جمع كبير لم يحدث مثله قبل ذلك التاريخ ، ولحن موسيقانا الكبير (إسماعيل عبدالمعين)، صاحب أناشيد المؤتمر الثلاثة (صه يا كنار .. وللعلا وصرخة روت دمي) ، لحن عبدالمعين وغنى في تلك الليلة المشهودة قصيدة (العقاد) التي ذاع صيتها وإنتشرت بلحن عبدالمعين في كل السودان والتي يقول في مطلعها : يا نديم الصبوات .. أقبل الليل فهات.
*رحم الله العقاد، فقد كان دنيا فريدة وعالماً متفرداً حتى أن الصحافة المصرية أسمته (الجبار) ، وذكر مؤرخنا الأنيق الأستاذ محجوب عمر باشري – رحمه الله – في كتابه الموسوم ب(رواد الفكر السوداني) أن العقاد بكى وسال دمعه ظاهراً للعيان عندما ألقى أستاذنا الكبير الراحل محمود الفضلي قصيدة العقاد (أبعداً نرجى أم نرجى تلاقيا .. كلا البعد والقربى يهيج مابيا).. وعندما رأى الحضور النوعي تلك الدموع ، صاح الشاعر الراحل حيدر موسى : لقد بكى الجبار.
*نعود لموضوعنا (هذه الشجرة) ، فإن إسترسلنا وخُضنا في سيرة العقاد سنجد أنها بحر بلا ساحل ولا إنتهاء .. فكتاب الأديب الكبير عباس محمود العقاد الذي حمل ذلك الإسم ، يعد من أعظم ما كتب العقاد بعد (العبقريات) طوال حياته التي إمتدت من تاريخ ميلاده ب(أسوان) في جنوب مصر في 28 يونيو 1889م وحتى تاريخ وفاته في 13 مارس 1964م ، وذلك لأن هذا الكتاب حمل رؤية العقاد للمرأة ، معتمداً على وسوسة الشيطان لحواء حتى تأكل من الشجرة المنهى عنها في الجنة ، فكان مصيرها ومصير أبينا (آدم) أن أهبطهما الله إلى الأرض لتبدأ رحلة الإنسانية الجديدة .. وثالثهما الشيطان الذي هو من الجن.
*أما شجرتنا المعنية والمقصودة بالعنوان أعلاه فقد كانت شجرة سودانية صميمة، تنمو في مناخنا الحار جاف، وعلى نطاق السافنا الفقيرة، وهي شجرة (اللالوب) التي نربط بينها وبين كثير من الطقوس التعبدية والغيبية مثل صناعة (سبحة اللالوب) الألفية التي يستخدمها المشائخ و(الفقرا)، وكثيراً ما نربط بين سُكنى الجن والشياطين لهذه الشجرة.
*ولي تجربة شخصية، جعلت من جاء به صديقي الراحل محمد عبد المطلب خالد منصور ، وعدد من أفراد أسرته في (فريق المدنيين) بمدينة ود مدني ، جعلت من جيء به لقص وتهذيب شجرة هجليج (لالوب) قديمة ذات صباح دافئ ، جعلته يهرب ويفر تاركاً كل معداته دون أن يرجع لها رغم مرور أكثر من عقدين على تلك الحادثة ، إذ سقط الرجل من أعلى الشجرة على رأس حمام صغير، حتى هتك سقف ذلك الحمام ، وأصيب برضوخ لم تمنعه من الركض السريع وقال إن ذلك من فعل الجن.
*ثم ظهرت شجرة أخرى، هي (شجرة النو) ونقصد (مستشفى النو) في الحارة الثامنة بمدينة الثورة في محلية كرري، والذي قليلة قصته قبل سنوات قليلة بعد أن تم قطع شجرة (لالوب) قديمة ليبدأ إشتعال النيران في كثير من المواقع دون إنذار، وتعطلت بعض الأجهزة، وقال صديقنا الدكتور معز حسن بخيت مدير إدارة الجودة الحالي بوزارة الصحة في ولاية الخرطوم، والذي كان وقتها مديراً لمستشفى النو ، قال إنه لا علاقة لتلك الحرائق بقطع الشجرة، وذهبت لأتحقق بنفسي من الذي حدث، فوجدت أن النيران لم تشتعل إلا بعد قطع تلك الشجرة، بل إن الذي أدهشني وسيدهش الكثيرين إن النيران أتت على غرفة مسؤولة المختبر الخاصة في بيتها، وهي التي أصرت على قطع الشجرة.
*صديقي الدكتور معز حسن بخيت لا يبدو عليه الخوف ولا الرعب ولا يريد تصديق العلاقة بين الشجرة والجن والنار.. وقلت له إنني سأخلصه من هذه المصيبة.. سعد وإنطرحت أساريره وقال بصوت متهدج: كيف؟ فقلت له: هذا شأني.. وكنت بذلك قد أدخلت نفسي في ورطة مع هذه الشجرة! لكن سبحان الله فقد توقفت الحرائق وإنطفأت النيران.