آخر الأخبار

الأبيض.. قلب السودان النابض الذي يجب ألا يُترك وحيداً

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*في تاريخ السودان مدنٌ كثيرة اكتسبت أهميتها من الموقع أو الموارد أو الكثافة السكانية، ولكن مدينة الأبيض ظلت حالةً خاصةً ومتفردة؛ فهي ليست مجرد عاصمة لولاية شمال كردفان، وإنما تمثل عقدة الوصل بين أقاليم السودان المختلفة، وبوابة العبور بين الوسط والغرب، وشرياناً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً يربط أجزاء الوطن بعضها ببعض.

 

*عرفها السودانيون مدينةً للتجارة والعلم والتسامح والتعايش، وعُرفت أسواقها بأنها ملتقى القبائل والثقافات، كما عُرفت بأنها مدينة الصمود التي واجهت المحن عبر تاريخها الطويل وخرجت منها أكثر قوةً وصلابةً. ولم يكن اختيارها مركزاً للحركة التجارية في غرب السودان أمراً عابراً، بل جاء نتيجة لموقعها الاستراتيجي الذي جعلها محوراً للحركة الاقتصادية بين كردفان ودارفور ووسط السودان.

 

*واليوم تجد الأبيض نفسها في مواجهة واحدة من أخطر التحديات في تاريخها الحديث، في ظل التصعيد العسكري والتهديدات المتزايدة التي تحيط بها، وما يصاحب ذلك من مخاوف على حياة المدنيين والبنية التحتية والخدمات الأساسية. وقد صدرت خلال الأيام الماضية تحذيرات أممية وأوروبية وغربية من خطورة الأوضاع حول المدينة ومن احتمال اتساع دائرة المواجهات وتأثيرها على مئات الآلاف من المدنيين.

 

*إن استهداف الأبيض لا يمكن النظر إليه باعتباره حدثاً محلياً يخص شمال كردفان وحدها، بل هو تطور يمس الأمن القومي السوداني بأكمله. فالأبيض تمثل مركز الثقل في إقليم كردفان، وأي تهديد لاستقرارها ينعكس بصورة مباشرة على ولايات كردفان كافة وعلى خطوط الإمداد والحركة بين أقاليم السودان المختلفة.

*وقد أشارت تقارير إعلامية ومراقبون إلى أن الأهمية الاستراتيجية للأبيض تجعلها هدفاً رئيسياً في الحسابات العسكرية، نظراً لموقعها وتأثيرها على مسار العمليات في غرب السودان.

*ومن هنا تبرز المسؤولية التاريخية لأبناء شمال كردفان وجنوب كردفان وغرب كردفان، بل ولكل أبناء السودان، في الوقوف صفاً واحداً دفاعاً عن هذه المدينة العزيزة. فالأبيض ليست ملكاً لأهلها وحدهم، وإنما هي مدينة لكل السودانيين، ورمز من رموز وحدتهم الوطنية.

*إن الواجب الوطني اليوم يقتضي تعزيز التماسك المجتمعي، ودعم القوات المسلحة المشتركة والقوات النظامية والمستنفرين ، والمساهمة في حماية المدنيين، وتقديم العون الإنساني للمحتاجين، ورفض كل أشكال الاستهداف التي تطال المواطنين الأبرياء ومرافق الخدمات العامة. كما يقتضي توحيد الجهود الشعبية والرسمية لمنع تحويل كردفان إلى ساحة جديدة للمعاناة الإنسانية والنزوح والدمار.

*لقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي تتماسك في أوقات المحن قادرة على تجاوز أصعب الأزمات.. وأهل كردفان عبر تاريخهم الطويل كانوا نموذجاً للشجاعة والكرم والوطنية، ولم يترددوا يوماً في الدفاع عن السودان ووحدته واستقراره.

*إن معركة الحفاظ على الأبيض ليست مجرد معركة جغرافيا، وإنما هي معركة إرادة وصمود ومستقبل. إنها معركة من أجل بقاء شريان السودان الغربي مفتوحاً، ومن أجل حماية ملايين المواطنين الذين ترتبط حياتهم واستقرارهم بأمن هذه المدينة الاستراتيجية.

*كما أن حماية الأبيض تعني حماية كردفان كلها، وتعني الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي الذي تميزت به المنطقة عبر عقود طويلة. فكل تأخير في مواجهة المخاطر المحدقة بالمدينة يضاعف من حجم التحديات الإنسانية والاقتصادية والأمنية التي تواجه السكان.

*واليوم، بينما تتجه أنظار السودانيين إلى كردفان، يبقى الأمل معقوداً على وعي أبناء الوطن، وعلى قدرتهم في تجاوز الخلافات الثانوية والتوحد حول القضايا الكبرى التي تمس بقاء الدولة واستقرارها. فالسودان يحتاج إلى وحدة الصف أكثر من أي وقت مضى، ويحتاج إلى أن يدرك الجميع أن حماية الأبيض هي حماية للسودان كله.

*ستبقى الأبيض، بإذن الله، مدينةً للصمود والعطاء، وستظل كردفان قلعةً وطنيةً عصيةً على الانكسار، وسيظل أهلها أوفياء لتاريخهم ودورهم الوطني.. ومهما اشتدت التحديات فإن إرادة الشعوب أقوى من الأزمات، والوطن الذي أنجب رجالاً ونساءً حملوا راية الصبر والكفاح عبر الأجيال، قادر على أن يعبر هذه المرحلة وأن يمضي نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً

 

*حفظ الله الأبيض، وحفظ كردفان، وحفظ السودان وأهله من كل سوء.. والموت والعار والدمار للمليشيا الإرهابية المتمردة الدعم السريع ومن عاونهم وساندهم.. والنصر حليف قواتنا المسلحة الباسلة.