إتجاه لتحويل شعيراته لتبريد أسقف المباني(حريرالعُشر)الكنز السوداني المهمل
- العُشر.. من نبات بري مهمل إلى عازل حراري سوداني
- باحثون سودانيون: يمكن معالجة حرير العشر وتصنيعها في الواح عازلة للحرارة للأسقف
- شجرة العشر ليست مجرد نبات بري طفيلي بل يمكن تحويلإها إلى فتح صناعي للسودان
الدبة ــ عادل الحاج:
في السودان حيث تمتد أشهر الصيف بدرجات حرارة قاسية، وتتحول أسطح المنازل والمباني إلى ما يشبه الأفران تحت أشعة الشمس، يبحث الناس عن وسائل مختلفة لتخفيف الحرارة داخل مساكنهم.. وبينما ترتفع تكلفة مواد العزل المستوردة وتظل الكهرباء أحد أكثر التحديات إلحاحاً يوجد كنز مهمل ينتشر في مساحات واسعة من البلاد شجرة برية ربما تحمل في ثمارها فرصة لم تحظ حتى الان بما تستحقه من إهتمام ..إنها شجرة العُشر التي تنتشر في مناطق سودانية عديدة وتبدو في نظر كثيرين مجرد نبات بري لا قيمة إقتصادية كبيرة له بينما هي في حقيقتها كنز مهمل.. فما يخرج من ثمارها عند نضجها من شعيرات بيضاء ناعمة تشبه خيوط الحرير وتنتشر مع الرياح حاملة بذورها قد يكون مادة أولية قابلة للدخول في صناعات جديدة من بينها العزل الحراري.
فكرة إقتصادية:

عندما تنضج ثمرة العُشر وتنفتح، تظهر بداخلها البذور محاطة بزغب أبيض شديد الخفة، وتعمل هذه الشعيرات الطبيعية كوسيلة للانتشار، إذ تساعد الرياح على حمل البذور بعيدًا عن النبات الأم.. لكن القيمة المحتملة لهذه الشعيرات لا تتوقف عند قدرتها على الطيران.
فالدراسات العلمية التي تناولت ألياف العشر تشير إلى أنها ألياف طبيعية منخفضة الكثافة، ولها خصائص مميزة، كما أظهرت دراسات تحليلية خصائص حرارية وصوتية مهمة للألياف.
والأكثر أهمية بالنسبة للسودان أن باحثين سودانيين درسوا بالفعل إستخدام ألياف العُشر في مواد مركبة، ووجدوا أن التوصيل الحراري للمركبات إنخفض مع زيادة نسبة ألياف العُشر، وهو مؤشر علمي يستحق أن يُبنى عليه مزيد من البحث في مجال العزل.. وهنا يبرز السؤال: هل يمكن تحويل هذا النبات المنتشر في السودان من مادة طبيعية مهملة إلى منتج سوداني للعزل الحراري؟.
المشكلة ليست نظرية ففي المناخ السوداني، وخصوصًا في المناطق الشمالية والصحراوية، تتعرض الأسقف لأشعة الشمس لساعات طويلة، وتنتقل الحرارة من السطح إلى داخل المبنى، فتزداد الحاجة إلى المراوح والمكيفات، وبالتالي يرتفع إستهلاك الكهرباء.. وكلما كانت مواد البناء والأسقف أكثر قدرة على إكتساب الحرارة، أصبح تبريد المبنى أكثر صعوبة، خصوصًا في ظل إرتفاع درجات الحرارة وتذبذب إمدادات الكهرباء.. من هنا تأتي أهمية البحث عن مواد عزل محلية، منخفضة التكلفة، خفيفة الوزن، وقابلة للتصنيع محلياَ.. ولا يعني ذلك أن نضع شعيرات العُشر الخام فوق الأسطح بصورة مباشرة، فذلك سيكون سابقًا لأوانه وغير آمن، بل المطلوب هو معالجة الألياف وتصنيعها في صورة ألواح أو حشوات أو طبقات عازلة، ثم إختبارها معمليًا وميدانياً قبل إعتمادها.. وهناك ما يشجع على مواصلة البحث، فقد أظهرت دراسات منشورة أن ألياف العُشر يمكن إدخالها في مواد مركبة، وأن خصائصها الحرارية والميكانيكية قابلة للدراسة والتطوير.
فوائد العشر:
وتؤكد الأدبيات العلمية الدولية أن العُشر ليس مجرد نبات عديم القيمة الصناعية، فقد جرى بحثه كمصدر للألياف الطبيعية، كما دُرست أليافه في تطبيقات متعددة، بما في ذلك المواد المركبة والخصائص الحرارية والصوتية.. بل توجد براءات إختراع تناولت إستخدام ألياف نباتات مختلفة لإستخدامها كمواد عزل طبيعية منخفضة لإستخدامها لعزل المباني والأنابيب، وهذه ليست شهادة بأن المنتج مناسب مباشرة للسودان، لكنها مؤشر إضافي على أن الفكرة لها أساس تقني يستحق الإختبار.. فهل يتحول العُشر إلى صناعة سودانية؟.. فإذا أثبتت التجارب أن ألياف العُشر تستطيع تقديم عزل حراري جيد بتكلفة منخفضة، فقد نكون في السودان امام فرصة إقتصادية وبيئية مهمة، فبدل أن تظل الشعيرات تتطاير في الهواء حاملة بذور النبات، يمكن جمعها وتصنيعها في صورة منتج سوداني يستخدم في الأسقف، الجدران، المخازن، الحظائر، وغرف التبريد وبعض التطبيقات الصناعية الأخرى.
كما يمكن أن تنشأ حولها سلسلة إقتصادية تبدأ من جمع الألياف وفرزها وتنظيفها، مروراً بالتصنيع، وإنتهاءً بالتسويق والتركيب.. والأهم أن المادة الخام موجودة محلياً ولا تحتاج إلى زراعة مكلفة بالضرورة، إذ إن العُشر نبات متأقلم مع البيئات الجافة ويُعد مصدراً ناشئاً للألياف الطبيعية.. لكن الطريق إلى ذلك يحتاج إلى بحث سوداني مستقل، يبدأ من المختبر ولا ينتهي إلا بمنتج آمن ومختبر وقابل للتسويق.. ففي بلد يعاني من الحرارة المرتفعة وأزمات الطاقة وإرتفاع تكلفة كثير من المنتجات المستوردة، ربما لا يكون الحل دائماً في إستيراد مادة جديدة من الخارج. فأحيانا قد يكون جزء من الحل ينبت أمان أعيننا ولا نراه، وشجرة العُشر واحدة من تلك الفرص التي تستحق أن تنتقل من هامش الطبيعة إلى دائرة البحث العلمي والاقتصاد الوطني ..السؤال الآن ليس: هل للعُشر قيمة؟ بل: هل نملك الإرادة العلمية لتحويل هذه القيمة الطبيعية إلى صناعة وطنية تخدم الإنسان والإقتصاد والبيئة السودانية؟.
عازل سوداني:

تشير دراسات حديثة إلى أن قش القمح ــ التبن ــ يمكن أن يشكل مادة واعدة في مجال العزل الحراري للمباني، بفضل إنخفاض كثافته وبنيته التي تساعد على الحد من إنتقال الحرارة، وقد إتجهت أبحاث عديدة إلى تطويره في صورة ألواح ومركبات عازلة، مع العمل على تحسين خصائصه الميكانيكية ومقاومته للرطوبة والإشتعال قبل إستخدامه في المباني.
وإذا كان العلماء قد إتجهوا إلى تحويل مخلفات زراعية إلى مواد عزل ذات قيمة مضافة، فالسؤال الذي يفرض نفسه في السودان هو: لماذا لا تُفتح الأبواب أمام البحث العلمي لدراسة شعيرات العُشر الحريرية، المنتشرة بكثرة في بيئاتنا، بإعتبارها مادة طبيعية قد تحمل خصائص واعدة للعزل الحراري؟.. فالدراسات المنشورة حول ألياف بعض النباتات أظهرت بالفعل أن إدخال هذه الألياف في مواد مركبة يمكن أن يخفض التوصيل الحراري، وهو ما يمنح الفكرة أساسًا علمياً أوليًا، وإن كان لا يكفي وحده للحكم على صلاحيتها كعازل للمباني.
من المحرر:
من هنا، فإن المطلوب ليس إفتراض أن ، حرير العُشرهو الحل، وإنما إخضاعه للتجربة العلمية: بقياس قدرته على عزل الحرارة، وإختبار مقاومته للإشتعال والرطوبة والحشرات، ومدى تحمله للضغط والعوامل المناخية، ثم مقارنته بمواد العزل المتداولة من حيث الكفاءة والتكلفة والعمر الإفتراضي.. فربما تقود مثل هذه الأبحاث إلى إكتشاف مادة عازلة سودانية منخفضة التكلفة، تستفيد من مورد طبيعي متاح، وتساعد في تخفيف حرارة المباني وتقليل الحاجة إلى التبريد وإستهلاك الكهرباء، فضلًا عن فتح باب جديد أمام تصنيع مواد بناء محلية صديقة للبيئة.. فهل تكون شعيرات العُشر التي تحمل بذورها مع الرياح، هي نفسها مفتاحًا لحمل حرارة الأسطح بعيدا عن بيوتنا؟.