آخر الأخبار

(بخت الرضا) لؤلؤة مدينة (الدويم) ساكنة العلم والمعرفة

*عبير الأمكنة:

 

 *المليشيا المتمردة من بين استهدافها لولاية النيل الأبيض أنها كانت تريد تدمير (الأثر التاريخي والمعرفي) لبخت الرضا

 

 *قبل أن يعرف العالم المسئولية الاجتماعية طبّقها معهد بخت الرضا ب( أم جر ) الغربية

 

 *ما قصة تقرير المفتش الانجليزي الذي بسببه أنشأ معهد بخت الرضا؟

 *الملك خالد والملك فهد درسا ب(بخت الرضا) وعند حكمهم استقدام معلمين سودانيين من بخت الرضا

 

 *بخت الرضا ما اصل التسمية وما سر عبقرية المكان؟!!

 

 *زارها الأسبوع الماضي: د. إبراهيم حسن ذو النون

 

حين زرت يومي الأحد والاثنين الماضيين (18و19مايو 2025م) مدينة الدويم ولؤلؤتها (بخت الرضا) تذكرت محكيات وروايات الأستاذ المرحوم (الفكي عبدالرحمن) أول مدير للمسرح القومي السوداني والأستاذ بمعهد التربية بخت الرضا التي كان يحكيها ويرويها عن ذلك المحفل العلمي الراسخ في السودان من خلال تقديمه لبرنامج الأطفال بالإذاعة السودانية صباح كل جمعة، (ركن الأطفال يقدمه عمكم مختار) و(عمكم مختار) هذا لقبه، وأذكر أنني كنت استمتع بحكاياته وروايات عن بخت الرضا لسببين، الأول المعلومات الغزيرة التي كان يوردها عن بخت الرضا (عبقرية المكان والجغرافيا والتاريخ والإنسان)، والسبب الثاني طريقة الأستاذ الفكي عبدالرحمن (عمكم مختار) في الحكي والكلام بشكل سلس..

كذلك تذكرت أيضا أنني قرأت قبل عدة سنوات_ خمس أوست_كتاب (عبدالرحمن علي طه أستاذ الأجيال 1901م_1969م) للبروفيسور فدوى عبدالرحمن علي طه المدير الأسبق لجامعة الخرطوم وأستاذ التاريخ بجامعة الخرطوم وعدد من الجامعات داخل وخارج السودان، وبالطبع لا يذكر أستاذ الأجيال عبدالرحمن علي طه إلا ويذكر معهد التربية بخت الرضا لأنه من مؤسسة السودانيين، بل كان أول نائب لعميد المستر غريفيث..

*أناشيد الزمن الجميل:*

حين دخلت جامعة بخت الرضا ومعهد المناهج ببخت الرضا فجأة وجدت نفسي أنشد أحد أناشيد الزمن الجميل (في القولد التقيت بالصديق)، والذي ألفه أستاذ الأجيال عبدالرحمن علي طه والذي كان يلقب ب(اللورد)..

(في القولد التقيتُ بالصديقِ

أنعم به من فاضل صديقي

خرجتُ أمشي معه للساقية

ويالها من ذكرياتٍ باقية

فكم أكَلت معهُ الكابيدا

وكم سمعت آور وو آلودا

** **

ودعته والأهل والعَشيرة

ثم قصدتُ من هُناكَ ريرة

نزلتها والقُرشي مُضيفي

و كان ذاك في أوان الصيفِ

وجدته يسقي جُموع الإبلِ

من ماء بئر جرّه بالعَجلِ)..

 

*قصة بخت الرضا وقصة المعهد:*

قصة بخت الرضا وقصة انشا، معهد التربية بخت الرضا بطلهما شخص واحد هو المستر غريفيث، فبعد إضراب طلاب كلية غردون تم رفع مذكرة بواسطة مفتش التعليم الأول المستر(ج س اسكوت) انتقد فيها سياسات التعليم، ودعا لإجراء إصلاحات أساسية أسس المستر غريفيث معهد بخت الرضا بمدينة الدويم، وذكر في تقريره أنه في طريق بحثه عن موقع جغرافي مميز وجد إمرأة كبيرة في السن كانت تقوم بحراسة (مطامير الذرة)_ مخازن شعبية_ وقد وافقت على إعطائه المكان، وتقول بعض الروايات أن اسمها بخت الرضا بينما تقول روايات أخرة أن عددا من السكان المحليين قد رفضوا إعطائه مكان، فكان يقول لهم: (بخت اللي حيرضى) أي (حظ الذي يرضي)..

*لؤلؤة الدويم منارة العلم:*

تأسس معهد التربية بخت الرضا في العام 1934م على يد المستر غريفيث، فكان أول منارات العلم في السودان والعالم العربي والإفريقي وقد احتضنته مدينة الدويم، وهي من كبريات المدن في ولاية النيل الأبيض، بل من أهم المدن السودانية الواقعة على الضفة الغربية من نهر النيل الأبيض بعد مدينة أمدرمان..

*بخت الرضا حاضنة المشاهير:*

مثلما ارتبط الكثير من السودانيين بمعهد التربية بخت الرضا، ارتبط عدد من الأجانب أولهم المستر غريفيث مؤسس المعهد نفسه والذي كان المعلم الأول لجيل الرواد في السودان، وقد عمل بالمعهد لمدة سبع سنوات وتولى فيها عمادته وإدارته، ومن المشاهير العرب الذين درسوا بالمعهد اثنين من أبناء الملك عبدالعزيز آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية(خالد وفهد)اللذين توليت لاحقا الملك في المملكة العربية السعودية على التوالي رحمهما الله تعالى، وقد كان مبرر دراستهما بمعهد التربية ببخت الرضا هو السمعة المحترمة والذائعة الصيت للمعهد، وعندما توليا الملك استقدما عدد من المعلمين من بخت الرضا لنقل تجربة المعهد في المنظومة التربوية والتعليمية بالمملكة العربية السعودية..

تما من المشاهير السودانيين بالإضافة الى أستاذ الأجيال عبدالرحمن علي طه وهو أول وزير للمعارف في السودان، وعمل أستاذا بالمعهد ونائبا للعميد، ومن المشاهير البروفيسور محمد مندور المهدي عميد كلية التربية بجامعة الخرطوم، والأستاذ الفكي عبدالرحمن أول مدير للمسرح القومي السوداني، والمقدم الأشهر لبر نامج ركن الأطفال بالإذاعة السودانية (هنا أم درمان)..

وأيضا من المشاهير البروفيسور عبدالله الطيب المجذوب المدير الأسبق لجامعة الخرطوم والعالم اللغوي والشاعر وصاحب أشهر معجم (المرشد لفهم أشعار العرب) ومقدم برنامج (دراسات في القرآن الكريم) وهو أشهر برنامج إذاعي ب(هنا أم درمان) والذي كان يتلو الآيات فيه الشيخ صديق أحمد حمدون..

ومن المشاهير الذين درسوا ببخت الرضا الشاعر المجيد إدريس محمد جماع الذي درس بمعهد التربية شندي ثم معهد التربية بخت الرضا ثم درّس بالمدارس الثانوية السودانية..

*بخت الرضا رائد المسئولية المجتمعية:*

واضح جدا تأثير عبقرية المكان في بخت الرضا، ويكفي أنها كانت ملهمة للكثير من كتب المناهج، ولعل كتاب (*سبل كسب العيش في السودان*) قد كشف عن الكثير من الخصائص التي يتحلى بها المجتمع السوداني، ولعل أدل على ذلك نشيد (في القولد التقيت بالصديق)، والذي جاء فيه:

(ومن هُناك قمتُ للجفيلِ

ذات الهشاب النضر الجميل

وكان سفري وقت الحصادِ

فسرت مع رفيقي للبلادِ

ومرّ فيها سليمان على

مُختلف المحصول بالحب امتلأ

** **

ومرة بارحت دار أهلي

لكي أزور صاحبي ابن الفضل

ألفيتهُ وأهله قد رحلوا

من كَيلَك وفي الفضاء نزلوا

في بُقعةٍ تُسمى بابنوسة

حيث اتقوا ذبابة تعيسة)

*المليشيا لماذا استهدفت الدويم:*

أثناء زيارتي لولاية النيل الأبيض الاسبوع الماضي حدثني محدثي وهو خبير استراتيجي ومتخصص في دراسات الحرب والسلام وكان ضابطا سابقا بالقوات النظامية فضل حجب اسمه، أن ولاية النيل الأبيض وموقعها الاستراتيجي المتميز كانت حاضرة في أجندة المليشيا المتمردة، والتي تكشفت أوراق برامجها الإستهدافية الاستيطانية بشكل واضح، وقد استهدفت في محاولات كثيرة وكان الغرض من ذلك هو استهداف الرمزية التاريخية لبخت الرضا، حيث يوجد بها علاوة على جامعة بخت الرضا المركز القومي للمناهج الخاص بمرحلة التعليم العام، لأن من أجندة المليشيا المتمردة طمس هوية الأمة السودانية واستهداف مؤسسات الاستنارة والمعارف، وقد اتضح ذلك جليا من خلال التخريب الممنهج لمراكز البحوث والدراسات والجامعات وحرق المكتبات العامة والخاصة ودار الوثائق القومية والمتاحف والآثار والمكتبة الصوتية للإذاعة السودانية وغيرها ولكن إرادة الله تعالى كانت غالبا فعصمت بخت الرضا من الاستهداف وولاية النيل الأبيض بشكل عام..

واللافت للنظر أن بخت الرضا على أيام معهد التربية قد قامت بالواجب تماما تجاه المجتمع، فبدأت الكثير من الأعمال التي تهدف لتنمية المجتمعات من حولها، حيث صممت إدارة المعهد برامج المسئولية الاجتماعية قبل أن يعرفها العالم، والتي كان من بينها برنامج محو الأمية بمنطقة أم جر الغربية فضلا عن برامج مماثلة في تعليم الكبار بمناطق مختلفة من أنحاء ولاية النيل الأبيض..

*بخت الرضا ساكنة العلم والمعرفة والوحدة* :

مناهج معهد التربية بخت الرضا بعد سودنته اتجهت اتجاها وحدويا، حيث قدمت مئات الآلاف من المعلمين، ولعل نشيد الزمن الجميل (في القولد التقيت بالصديق) قد جسد هذه المضامين في مادة الجغرافيا والتي عملنا لتفاديها كسودانيين (تمرد الجغرافيا) الذي حدث في أنحاء متفرقة من السودان..

(مازلت في رحلاتي السعيدة

حتى وصلت يامبيو البعيدة

منطقة غزيرة الأشجار

لما بها من كثرة الأمطار

قدم منقو طعام البفرة

وهو لذيذ كطعام الكِسرَة

** **

وبعدها استمر بي رحيلي

حتى نـزلت في محمد قولِ

وجدت فيها صاحبي حاج طاهرِ

وهو فتى بفن الصيد ماهر

ذهبتُ معه مرة للبحرِ

وذقت ماء لا كماء النهرِ)..

*بخت الرضا لله درك*

بخت الرضا لله درك يا ساكنة العلم والمعرفة، فقد كنت محظوظة إذ درس فيك المشاهير مثل الشاعر الفذ إدريس محمد جماع والذي قال عن بخت الرضا:

(ماذا اري أبدت ديارك أم بدى أمل النفوس على ثراك مشيدا ؟

تم اللقاء ونلت ما أصبو له

وغدوت أفرح ما أكون وأسعدا

أما الديار فقد ملكن مشاعري

ورايت فيهن الجلال مشيدا

لله أياما كان عهـودها

زهر تمدد فى جوانبه الندى

أبقت لنا ذكرى نشاهدها رؤى فى موكب الماضي ونسمعها صدى

أيام كنت أعيش فى ربوعها حر الفؤاد ولا أعيش مقيدا

يا قبلة الوطن العزيز ومعهدى

هل كنت الا للهداية معهدا

يا مرحبا بالمهرجان فإنه

يوم سيبقى فى النفوس مخلدا

سارت به الركبان فى طرقاتها وانساب لحنا فى الشفاه مرددا

يا معهدا علم الجهاد بكفه اليمنى وباليسرى مصابيح الهدى

كنز البلاد هنا أبناؤها

والعاملون غدا إذا حق الغدا

أكبادها تمشي على وجه الثرى

جاءت اليك بهم لترجعهم غدا

خفّت اليك وفوضت اليك أمرهم

لما رأت فيك الحكيم المرشدا

أبناؤك الغر الكرام شهرتهم

فى وجه عادية الزمان مهندا

لسنا جنودك وحدنا كل الذى شد الرحال اليك صار مجندا

ما كنت موقوفا علينا وحدنا فالنيل أنت وكلنا يشكو الصدى)..