حين يُقيِّد الهوى اللسان
هيله البغدادي – السعودية:
ليست الحقيقة غامضةً كما نظن، ولا الحق بعيدًا عن الأبصار، ولكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين تتعارض الحقيقة مع المصلحة، فيصبح الصمت أكثر ربحًا من الكلام، ويغدو الباطل ـ عند بعض النفوس ـ جسرًا إلى المكاسب، لا قضيةً تستوجب المواجهة.
فالإنسان بطبيعته يعرف الحق، وضميره يهديه إليه، غير أن الهوى إذا امتطى القلب، والمنفعة إذا اعتلت كرسيَّ القرار، بدأ العقل ينسج المبررات، وأخذت النفس تُجمّل الباطل حتى يبدو أقل قبحًا، بل قد تكسوه بثياب الحكمة، وهو في حقيقته ليس إلا خوفًا على مكسب، أو حرصًا على منفعة، أو رهبةً من خسارة.
ولهذا كان قول الحق من أشقِّ مراتب الصدق، لأنه لا يُختبر حين يكون موافقًا للأهواء، وإنما يُختبر حين يكون ثمنه منصبًا، أو جاهًا، أو مالًا، أو علاقةً، أو مصلحةً شخصية. هناك فقط تتجلى معادن الرجال، وتنكشف حقيقة المبادئ؛ فالمبدأ الذي يتغير بتغير المكاسب ليس مبدأ، وإنما مصلحة متنكرة في ثوب الفضيلة.
إن الدين لم يُربِّ الإنسان على عبادة المنافع، وإنما ربّاه على عبادة الله، وعلى أن يكون الحق أحبَّ إليه من نفسه، والعدل أقرب إليه من هواه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. إنها آية تهدم كل تبرير، وتبني في النفس ميزانًا لا يميل مع الرغبات، ولا ينحني أمام المصالح.
وليس أخطر على المجتمعات من إنسانٍ يعرف الحقيقة ثم يكتمها، أو يرى الباطل فيُحسن تزيينه لأنه ينتفع منه. فالصمت عن الباطل حين يكون الإنسان شريكًا في منافعه ليس حيادًا، بل لونٌ من ألوان الانحياز، لأن المستفيد من الخطأ كثيرًا ما يصبح أول المدافعين عنه، لا اقتناعًا به، وإنما خوفًا من سقوط المكاسب التي شُيّدت عليه.
والتاريخ يخبرنا أن أكثر صور الفساد لم تبدأ بأيدٍ صنعت الباطل، بل بألسنةٍ امتنعت عن قول الحق، وقلوبٍ آثرت السلامة على الأمانة، حتى تضخم الباطل من صمت الصالحين أكثر مما تضخم من جرأة المفسدين.
إن الحق لا يحتاج إلى كثرة أنصاره بقدر ما يحتاج إلى صدقهم، ولا يقاس الإيمان بعدد الشعارات التي تُرفع، وإنما بقدرة الإنسان على أن يقول كلمة العدل حين تكون على حساب مصلحته، وأن يرفض الباطل ولو كان بابًا إلى منفعة عاجلة، لأن ما بُني على الباطل ينهار، وما قام على الحق يبقى وإن تأخر انتصاره.
فالنفوس العظيمة لا تبيع ضمائرها لقاء مكسب، ولا تستبدل رضا الله برضا الناس، لأنها تدرك أن الرزق بيد الله، وأن الكرامة لا يمنحها الباطل، وأن البركة لا تسكن مالًا جاء على حساب الحقيقة.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي ينبغي لكل واحدٍ منا أن يطرحه على نفسه: هل أقف مع الحق لأنه حق، أم أقف مع ما يحقق لي مصلحة.