آخر الأخبار

قصيدة وقراءة .. آخر جبان

 

حين تتحول الغربة من المكان إلى الروح

قراءة – د. حسين عبد الله الراشد –الكويت:

حين تتحول الغربة من مكان إلى حالة تسكن الروح، يصبح الطريق أطول من المسافة، ويغدو الانتظار امتحانا للذاكرة والكرامة معا.. ومن هذا الوجع يكتب رمضان بن لطيف نصه، جامعا بين ألم التهجير، ومرارة الانتظار، والبحث عن الذات وسط زمن لا يكف عن تبديل الوجوه والطرق.

ويأتي عنوان (آخر جبان) عنوانا صادما ومفارقا، لأن المتكلم لا يبدو جبانا بقدر ما يبدو إنسانا أنهكه الصراع، فكأن وصف الذات بالجبن يحمل سخرية مرة أو محاكمة داخلية لنفس دفعت ثمنا ثقيلا للاستمرار.

وتبلغ القصيدة ذروة جمالها في قوله:

 

حتى صار المقاس مسافة

والمسافة رحلة

والرحلة غربة

والغربة قصيدة معصورة بمداد الاشتياق

فهنا يتدرج المعنى بصورة جميلة من المحسوس إلى الوجداني، حتى تصبح الغربة نفسها قصيدة، ويصبح الاشتياق مدادها، وهي من أكثر صور النص تماسكا ودلالة.

كما يستوقف القارئ قوله:

من أنا؟

هل الجنون خلفي أم أمامي؟

وأنا المتوسط بين جنون الماضي والحاضر.

فهذا المقطع يكشف البعد النفسي العميق في النص، إذ لم تعد الأزمة متعلقة بالمكان وحده، بل وصلت إلى سؤال الهوية والوجود، وأصبح الشاعر محاصرا بين زمنين كلاهما مثقل بالوجع.

ومن الملامح الجميلة في القصيدة حضور مفردات الغربة والحصار والصمت والانتظار بوصفها شبكة دلالية واحدة، إلى جانب تكرار “رفقا أيها الدهر الذي جاء كصرخة داخلية تربط أجزاء النص وتعيده إلى عنوان الديوان.

ولو خفف الشاعر من تراكم بعض المفردات المباشرة في الجزء الأخير، ومنح الصور المركزية مساحة أكبر للتعبير عن الوجع بدلا من تسميته، لازداد النص تكثيفا، وأصبح أثره الشعري أكثر رسوخا.

تحية لهذا القلم الذي جعل الغربة سؤالا عن الإنسان قبل أن تكون سؤالا عن المكان، وأبقى خلف قسوة الانتظار خيطا من التسليم والأمل: حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا

النص:

ذَاتَ يَوْمٍ كُنْتُ أَمْشِي

حَتَّى صَارَ المَقَاسُ مَسَافَةً

وَالمَسَافَةُ رِحْلَةً

وَالرِّحْلَةُ غُرْبَةً

وَالغُرْبَةُ قَصِيدَةً مَعْصُورَةً بِمِدَادِ الاشْتِيَاقِ

ذَاتَ يَوْمٍ زَرَعْتُ بَذْرَةً

وَقُلْتُ رُبَّمَا يَشْتَدُّ قَوَامُهَا

وَيَتَدَلَّى غُصْنُهَا

وَأَنْتَفِعُ بِثَمَرَتِهَا

وَلَكِنِّي هُجِّرْتُ عَنْ مَوْطِنِي الأَصْلِيِّ

أَنَا الأَصْلُ مِنَ الأَصْلِ

أَنَا المَعْنَى

أَنَا الضَّحِيَّةُ

أَنَا المَصْلُوبُ أَمَامَ الحَقِيقَةِ

ذَاتَ يَوْم، بَغْتَةً ثَارَتْ زَوْبَعَةٌ

وَصِرْتُ أَنَا آخِرَ جَبَانٍ

يَسْلُكُ دُرُوبَ التِّيهِ

يَرَى الوُجُوهَ المُتَقَلِّبَةَ

وَيَرْتَشِفُ مِنْ نَبْعِ السَّرَابِ

وَيُكْمِلُ مَسِيرَةَ رِحْلَتِهِ الشَّاقَّةِ

رِفْقًا أَيُّهَا الدَّهْرُ

ذَاتَ يَوْمٍ تَأْتِي الفُصُولُ وَلَا تَجِدُ زَهْرَتَكَ

وَكَأَنَّ الكَوْنَ وَحْدِي أَرَاهُ يَرْتَدِي أَكْفَانَ الأَحْزَانِ

أَوَكُلَّمَا مَرَّ طَيْفُكَ عَلَى ذَاكِرَتِي

هَزَّنِي زِلْزَالُ الشَّوْقِ

وَأَصَابَتْنِي عَتْمَةُ الغُرْبَةِ

صِرْتُ أَمْشِي دُونَ وَجْهَةٍ

مَنْ أَنَا؟

هَلِ الجُنُونُ خَلْفِي أَمْ أَمَامِي؟

وَأَنَا المُتَوَسِّطُ بَيْنَ جُنُونِ المَاضِي وَالحَاضِرِ

رِفْقًا أَيُّهَا الدَّهْرُ بِحَالِي

كُنْتُ المُلَقَّبَ بِالأسِيرِ وَالمَجْنُونِ وَالعِلَّةِ المُزْمِنَةِ

طَالَ دُجَاهَا

وَالمَعَاقِلُ لَا تَزَالُ هِيَ المَعَاقِلَ

وَالحِصَارُ دُونَ الحَوَاجِزِ

أَبْكَمُ لَا يَسْمَعُ وَجَعَنَا وَلَا أَنِينَنَا

فِي الخَفَايَا نَتَأَلَّمُ

كَيْفَ نَنْبِسُ وَجَلِيدُ الصَّمْتِ لَمْ يَذُبْ عَلَى ثُغُورِنَا؟

تَأْتِي المَوَاسِمُ تُؤَدِّي دَوْرَهَا

وَدَوْرُ الحَقِّ مَهْضُومًا

لَا طَرِيقَ لَهُ مَعْبَدٌ

انْحِرَافٌ،

انْقِلَابٌ،

سُقُوطٌ، تَقَهْقُرٌ

وَعْدٌ مُؤَجَّلٌ

عَلَى حَوَافِّ الفَجْرِ

مَلِلْنَا الانْتِظَارَ

سَأَتَرَاجَعُ عَنْ قَرْعِ الأَبْوَابِ

مَا عُدْتُ أُعِيدُ الكَرَّةَ

حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ

أَمْرًا كَانَ مفعولاً