من بارا إلى دارفور… انتصارات ترسم ملامح السودان الجديد
دكتور مزمل سليمان حمد
*لم تعد الانتصارات التي حققتها القوات المسلحة في بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة مجرد تطورات ميدانية في مسرح العمليات، بل أصبحت نقطة تحول مفصلية في مسار استعادة الدولة السودانية لهيبتها وسيادتها على كامل ترابها الوطني. فقد أثبتت هذه الانتصارات أن إرادة الدولة، عندما تتسلح بوحدة مؤسساتها وتكاتف شعبها، قادرة على كسر أعقد التحديات وإفشال كل المخططات التي استهدفت تمزيق السودان وتقويض مؤسساته الوطنية.
*وتكتسب هذه المدن أهمية استراتيجية استثنائية، فهي تمثل مفاتيح السيطرة على أجزاء واسعة من إقليم كردفان، كما تشكل بوابة طبيعية للتقدم نحو دارفور، الأمر الذي يضيق الخناق على المليشيا المتمردة الإرهابية ويحد من قدرتها على المناورة والإمداد، ويفتح الطريق أمام استكمال تحرير ما تبقى من الأراضي التي لا تزال خارج سلطة الدولة، حتى تعود راية السودان خفاقة فوق كل شبر من أرضه.
*لقد أثبتت القوات المسلحة، مسنودة بالقوات النظامية والقوات المشتركة والمستنفرين، أنها تمضي بثبات نحو تحقيق أهدافها العسكرية، رغم ما واجهته البلاد من مؤامرات داخلية وضغوط خارجية ومحاولات متكررة لإطالة أمد الحرب وإضعاف مؤسسات الدولة. غير أن تماسك الجبهة الداخلية، والتفاف المواطنين حول مؤسساتهم الوطنية، كانا العامل الحاسم في إفشال تلك الرهانات، لترسل هذه الانتصارات رسالة واضحة بأن السودان يمتلك من الإرادة والقدرة ما يمكنه من حماية وحدته وصيانة سيادته.
*إن معركة السودان لم تكن يوماً معركة مؤسسة بعينها، وإنما هي معركة وطن بأكمله، يخوضها جيشه وقواته النظامية، ويساندها شعبه بكل فئاته، دفاعاً عن الأرض والهوية والدولة. فالانتصار الحقيقي يولد من وحدة الصف، وتكامل الأدوار، والتفاف الجميع حول هدف واحد، هو استعادة الأمن، وترسيخ سيادة القانون، وإعادة بناء الدولة على أسس راسخة من الاستقرار والعدالة.
*ويمثل التقدم العسكري المتواصل بإتجاه دارفور محطة بالغة الأهمية في استكمال فرض هيبة الدولة، لأن استقرار هذا الإقليم لا يعني استعادة الأمن وحده، بل يفتح الباب واسعاً أمام عودة ملايين النازحين واللاجئين إلى ديارهم، واستئناف النشاط الزراعي والرعوي والتجاري، وإعادة تشغيل المدارس والجامعات والمستشفيات والمرافق الخدمية، لتعود الحياة إلى طبيعتها بعد سنوات من المعاناة والدمار.
*لقد علمتنا تجارب الشعوب أن الدول لا تنهض بالحروب، وإنما تنهض بما يليها من بناء وإعمار. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب إطلاق مشروع وطني شامل لإعادة إعمار السودان، يقوم على إعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير الخدمات الأساسية، وإنعاش الزراعة والصناعة والتعدين، وتهيئة بيئة اقتصادية مستقرة تعيد الثقة للمستثمر الوطني، وتجذب المستثمرين العرب والأفارقة والدوليين للمساهمة في بناء السودان الجديد. فالاستثمار لن يبحث عن وطن تمزقه الفوضى، وإنما يتجه إلى دولة يسودها الأمن، وتحكمها المؤسسات، ويعلو فيها صوت القانون.
*ويمتلك السودان كل المقومات التي تؤهله ليكون إحدى القوى الاقتصادية الكبرى في المنطقة، بما حباه الله من أراضٍ زراعية شاسعة، وثروات معدنية هائلة، وموارد مائية، وموقع جغرافي متميز، وكفاءات بشرية قادرة على قيادة مرحلة النهضة. وما تحتاجه هذه الإمكانات هو استكمال بسط الأمن، واستقرار المؤسسات، وإطلاق رؤية وطنية متكاملة تجعل من الإعمار مشروعاً قومياً يشارك فيه الجميع.
*كما أن المرحلة القادمة تستوجب تعزيز وحدة الصف الوطني، ونبذ كل أسباب الفرقة، وترسيخ ثقافة التعايش والتسامح، لأن السودان لا يمكن أن يبنى إلا بسواعد جميع أبنائه، بعيداً عن خطاب الكراهية والانقسام. فالمعركة الحقيقية ليست فقط استعادة المدن، وإنما استعادة الإنسان السوداني، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة، وبناء وطن يتساوى فيه الجميع أمام القانون، وتصان فيه الحقوق والكرامة.
*لقد أثبتت الأحداث أن كل المؤامرات التي استهدفت السودان، وسعت إلى إنهاك مؤسساته وإضعاف جيشه وإطالة أمد الحرب، قد اصطدمت بإرادة شعب لا يقبل التفريط في وطنه، وبمؤسسات وطنية ظلت صامدة في أصعب الظروف.. ولذلك فإن ما تحقق في كردفان ليس نهاية المعركة، بل بداية مرحلة جديدة تتجه فيها الأنظار إلى استكمال تحرير دارفور، وإعادة الأمن إلى كل ربوع السودان، وتهيئة البيئة المناسبة لانطلاق أكبر مشروع وطني للإعمار والتنمية في تاريخ البلاد.
*إن السودان يقف اليوم على أعتاب مرحلة فاصلة؛ مرحلة تنتقل فيها الدولة من ميادين القتال إلى ميادين البناء، ومن مواجهة التحديات الأمنية إلى إطلاق مشروعات التنمية والإنتاج، ومن حماية الأرض إلى تعميرها.. وسيكون النصر الحقيقي هو ذلك اليوم الذي تعود فيه الحياة إلى كل مدينة وقرية، وتفتح المدارس أبوابها، وتدور المصانع، وتنتج الحقول، ويعود النازحون إلى ديارهم، ويشارك المستثمرون في بناء اقتصاد قوي ومستدام، ليظل السودان وطناً موحداً، آمناً، عزيزاً، قادراً على صناعة مستقبله بإرادة أبنائه، وتضحيات قواته المسلحة، ووحدة شعبه، وصلابة مؤسساته الوطنية.