المخدرات الرقمية..آفة صامتة تتسلل إلى عقول الشباب
- ثورة التكنولوجيا تفتح أبواباً جديدة للإدمان
- ترسيخ ثقافة التوازن الرقمي يحمي شبابنا من خطر هذه الظاهرة
- طالبة دراسات عليا: أقف الأن على حافة الإنهيار النفسي بسبب هذه الظاهرة
- طالب جامعي: اقضي الليل استمع للموسيقى والذبذبات الصوتية حتى قادتني للإدمان
- على الجهات المختصة مراقبة المواقع الإلكترونية والمنصات التي تروج للمخدرات الرقمية
تحقيق ــ عادل الحاج:
في خضم الثورة الرقمية والانفتاح التكنولوجي الهائل، لم تعد المخدرات التقليدية وحدها تمثل الخطر الأكبر على فئة الشباب والمراهقين بل ظهرت أنماط حديثة من الإدمان باتت تهدد الصحة النفسية والعقلية بصورة متزايدة أبرزها ما يُعرف بـظاهرة (المخدرات الرقمية) والتي أصبحت تنتشر عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وسط تحذيرات متصاعدة من المختصين والخبراء النفسانيين من خطورتها على الشباب من الجنسين التحقيق التالي يناقش هذه الظاهرة
خداع الدماغ:

يُقصد بالإدمان الرقمي: حالة الإعتماد المفرط على الأجهزة الإلكترونية، مثل الهواتف الذكية والحواسيب والألعاب الإلكترونية والتلفاز، إلى درجة تؤثر سلباً على حياة الإنسان اليومية وعلاقاته الإجتماعية ومستواه الدراسي أو المهني.. ويظهر ذلك جلياً في الإستخدام المبالغ فيه لمواقع التواصل الإجتماعي والألعاب الإلكترونية وتصفح الإنترنت لساعات طويلة دون هدف واضح.
لكن الأخطر من ذلك هو ظهور ما يسمى بـ(المخدرات الرقمية)، وهي ملفات صوتية او مقطوعات موسيقية تُبث بترددات مختلفة لكل أذن عبر سماعات الرأس، بهدف خداع الدماغ وإحداث تغيرات في النشاط الكهربائي العصبي تمنح المستمع شعوراً بالنشوة أو الإنفصال عن الواقع، بصورة تشبه إلى حد ما تأثير بعض المواد المخدرة التقليدية.
كيف تعمل:
تعتمد المخدرات الرقمية على ما يعرف علمياً بـ(النغمات الثنائية) ببث ترددين مختلفين لكل أذن، فيقوم الدماغ بمحاولة التوفيق بين الترددين، ما يؤدي إلى حالة ذهنية غير طبيعية قد تمنح المستمع شعوراً بالإسترخاء المفرط أو الشرود أو النشوة المؤقتة. ويروّج مروجو هذه المقاطع الصوتية لها باعتبارها بديلاً آمنا للمخدرات، وأنها تساعد على تحسين المزاج أو الهروب من التوتر والضغوط النفسية، الأمر الذي دفع عدداً من الشباب والطلاب إلى تجربتها بدافع الفضول أو حب الإستكشاف.. غير أن مختصين يؤكدون أن هذه الظاهرة تحمل في طياتها مخاطر نفسية وعصبية حقيقية، خاصة مع الإستخدام المتكرر ولساعات طويلة، إذ قد تتحول إلى نوع من الإدمان النفسي والعاطفي الذي يصعب التخلص منه بسهولة.
الآثار النفسية:
تشير تقارير ودراسات نفسية إلى أن المخدرات الرقمية قد تتسبب في آثار نفسية وعصبية تهدد الشباب والطلاب، تتمثل في إضطرابات النوم وتقلبات المزاج وضعف التركيز وتراجع الأداء الأكاديمي، فضلاً عن القلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية.
كما أن التعرض الطويل لهذه الذبذبات الصوتية قد يؤدي إلى اضطرابات معرفية وانفعالية وتغيرات في النشاط العصبي، الأمر الذي يجعل فئة الطلاب والمراهقين الأكثر عرضة لخطرها، نظراً لكثرة استخدامهم للتكنولوجيا وفضولهم تجاه التجارب الجديدة.
فخ الإدمان:
يقول طالب جامعي ــ فضل حجب إسمه: أدمنت الإستماع إلى هذه المقطوعات الموسيقية لساعات طويلة، خاصة خلال الليل، ما تسبب في تدهور حالتي الصحية وتراجع مستواي الأكاديمي بصورة ملحوظة.. كنت أظن في البداية أنها مجرد موسيقى تساعد على التركيز والإسترخاء، لكنني أصبحت لا أستطيع النوم دونها، وأقضي الليل كاملاً أستمع إليها حتى أصبت بالأرق والإرهاق الدائم، وأشعر الآن أنني وقعت في فخ الإدمان.
حكاية طالبة:
طالبة دراسات عليا بكلية المختبرات الطبية بإحدى الجامعات، حكت للصحيفة تجربتها مع المخدرات الرقمية بقولها: اعتدت على سماع الموسيقى الهادئة والذبذبات الصوتية بصورة يومية حتى أصبحت جزءاً من حياتي.. في البداية كنت أستمع إليها بهدف تهدئة الأعصاب أثناء الدراسة، لكنها تحولت مع الوقت إلى حالة من التعلق النفسي، وأصبحت أسهر لساعات طويلة بسببها، ما أثر على صحتي الجسدية والنفسية وجعلتني اقف على حافة الإنهيار النفسي والصحي.
مفهوم الإدمان:

في هذا السياق، أكد البروفيسور،علي بلدو، إستشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان، في فعالية بثتها إحدى القنوات الفضائية السودانية، أن مفهوم الإدمان لا يقتصر فقط على المواد المخدرة التقليدية، بل يشمل كل سلوك أو مادة تؤثر على العقل والذهن وتدفع الإنسان إلى التعلق بها بصورة مرضية.. فالإدمان يبدأ غالباً بخطوات صغيرة ومتدرجة، فالشخص قد يتعود في البداية على أمر بسيط، ثم تتطور الحالة تدريجياً حتى يصبح عاجزاً عن التوقف..واضاف
كثير من الشباب قد يلجأون إلى الإدمان نتيجة الضغوط الأسرية أو الإخفاقات الدراسية أو المشكلات النفسية والاجتماعية، غير أن تلك الظروف لا يمكن إعتبارها مبرراً أو سبباً حتمياً للوقوع في الإدمان.. فبعض الطلاب قد ينزلقون نحو تعاطي الحبوب المنشطة بزعم أنها تساعد على السهر والمذاكرة، نتيجة تأثير رفقاء السوء، فيما تلجأ بعض الفتيات إلى تعاطي حبوب التسمين أو مستحضرات معينة بدافع التجميل، الأمر الذي قد يقود لاحقاً إلى الإدمان
فالإدمان الرقمي أصبح من أخطر أشكال الإدمان الحديثة، خاصة وسط الشباب الذين يقضون ساعات طويلة مع الهواتف الذكية وألعاب الفيديو والبلايستيشن، فهذا النوع من الإدمان يتسبب في الأرق الليلي وإضطرابات النوم والعزلة الاجتماعية.. ونحذر أن جميع أنواع الإدمان قد تدفع بعض الشباب إلى الإنحراف السلوكي وإرتكاب السرقات أوالإعتداء على ممتلكات الأسرة والمجتمع من أجل توفير ما إعتادوا عليه، سواء كان مادة مخدرة تقليدية أو إدماناً رقمياً أو سلوكياً
ناقوس خطر:
يرى مختصون أن خطورة المخدرات الرقمية تكمن في سهولة الوصول إليها عبر الإنترنت، وغياب الوعي الكافي بأضرارها، إلى جانب الإعتقاد الخاطئ بأنها غير مؤذية مقارنة بالمخدرات التقليدية.
وأكدوا ضرورة تكثيف حملات التوعية داخل الجامعات والمدارس ووسائل الإعلام المختلفة، من أجل تعريف الشباب بمخاطر هذه الظاهرة وآثارها النفسية والعصبية.. وضرورة مراقبة المواقع الإلكترونية والمنصات التي تروج للمخدرات الرقمية، وتشجيع الباحثين على إجراء دراسات ميدانية للكشف عن حجم إنتشارها وتأثيراتها الحقيقية على المجتمع، خاصة وسط الطلاب والمراهقين.
وطالبوا كذلك بإدماج برامج تثقيفية وورش عمل متخصصة حول الإستخدام الآمن للتكنولوجيا، وترسيخ ثقافة التوازن الرقمي، حتى لا تتحول الوسائل التقنية الحديثة إلى أدوات تدمير نفسي وصحي.
التصدي للظاهرة:
يرى مراقبون أن التصدي لهذه الظاهرة لا يقتصر على الجهات الرسمية وحدها، بل يتطلب دوراً محورياً من الأسرة والمؤسسات التعليمية والمجتمع بأكمله، فالأسرة مطالبة بمتابعة الأبناء ومراقبة أنماط إستخدامهم للهواتف الذكية والإنترنت، وفتح قنوات للحوار معهم بعيداً عن العنف أو القسوة، فيما يقع على عاتق المدارس والجامعات نشر الوعي النفسي والصحي وتعزيز الأنشطة الثقافية والرياضية التي تبعد الشباب عن العزلة والإنغلاق الرقمي.
وفي ظل التطور التكنولوجي المتسارع، تبقى الحاجة ملحة إلى تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر الإدمان الرقمي والمخدرات الإلكترونية، قبل أن تتحول هذه الظاهرة الصامتة إلى أزمة حقيقية تهدد عقول الشباب ومستقبلهم.