قرار ولاية الخرطوم بتأهيل بصات الوالي.. هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟
- عيوب تصنيعية أطاحت بأكبر مشروع للنقل العام بالعاصمة
- مقبرة البصات بورشتي الصيانة بالخرطوم وامدرمان تشهد على مذبحة البصات الصينية
- القضية ضلت طريقها للمحاكم.. فهل البصات الخضراء تتمتع بالحصانة القانونية؟
- مهندسون ميكانيكيون: قمنا بفك وتركيب جربوكسات البصات 18 مرة ولم نستطع إصلاحها
تحقيق ــ التاج عثمان:
البصات المسماة بـ(بصات الوالي) بصات حكومية للنقل العام كانت تتبع لشركة مواصلات ولاية الخرطوم.. إرتبط إسمها بوالي الخرطوم الأسبق (عبد الرحمن الخضر) لكونه صاحب الفكرة التي إنطلقت في عهد حكومة الإنقاذ وقتها لتحسين النقل العام بالعاصمة الخرطوم وتقديم خدمة نقل مريحة وسريعة باقل تعرفة وساهمت فعلا عند تشغيلها في حل جزئي لأزمة المواصلات بالعاصمة.. لكنها تعثرت بعدها فتساقطت البصات واحدا تلو الآخرى.. مايو الماضي أصدر والي الخرطوم الحالي (أحمد عثمان حمزة) قرارا مسؤولا بإعادة تأهيل وصيانة بصات الوالي (الخضراء) حتى تعود لخدمة مواطني العاصمة.. فهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟.. هذا ما نعرفه من خلال هذا التحقيق الصحفي الذي يبحث في قضية تتعلق بالمال العام ويهدف في المقام الأول خدمة المصلحة العامة والوصول للأسباب الحقيقية التي تسببت في فشل مشروع حكومي خدمي كلف الدولة السودانية والشعب السوداني وقتها ملايين الجنيهات.
صفقة مثيرة للجدل:

أثارت صفقة بصات الوالي عند إستيرادها جدلا كبيرا بسبب الشكوك التي حامت حولها فيما يتعلق ببعض العيوب التي ظهرت عليها بعد فترة قصيرة من نزولها لشوارع العاصمة، بجانب أسعارها، وتشكيك من بعض المهندسين الميكانيكيين من أنها ليست جديدة بل مستعملة تمت إعادة تأهيلها وتجديدها قبل بيعها للسودان..الدفعة لأولى من البصات القادمة من الصين دخلت السودان في يوليو عام 2010 وعددها 200 بص، بجانب 100 باص وصلت بعد عام 2010، و1000 باص وصلت نهاية 2010 وبعدها وحتى عام 2013 دخلت كميات أخرى منها للبلاد.. وعام 2011 توقفت 200 باص لاعطال فنية، ظلت تتكوم بحوش شركة مواصلات ولاية الخرطوم بالقرب من سباق الخيل بالخرطوم.. سبق ان زرت البصات المعطلة أثناء إجرائي لتحققيق صحفي عنها، حينها اطلقت عليها في التحقيق (مقبرة بصات الوالي) والتي تشهد على المذبحة التي تعرضت لها مئات البصات متسببة في خسائر مالية كبيرة في المال العام .. وهناك سألت أحد المهندسين الميانيكيين بقولي: (هل بصات الوالي تم إستيرادها جديدة من المصنع الصيني للسودان مباشرة، ام أنها مستعملة تمت إعادة تأهيلها من جديد؟.. أجاب المهندس:
البصات جديدة نظريا، لكن فيها مشاكل ميكانيكية كثيرة.. حيث وصلت 300 باص خلال الفترة (2008 ــ 2010) قالوا انها جديدة، وحسب علمي أنها مستوردة جديدة من الصين عام 2010 رغم ظهور عيوب تصنيعية من أول شهر لتشغيلها في شوارع العاصمة، حيث تعطلت 200 باص منها بعد 20 يوما فقط من تشغيلها بسبب سخونة ماكيناتها، وبعضها حدث لها ذلك في نفس يوم تشغيلها، وتوقفت العشرات منها بعد أقل من سنة من تشغيلها بسبب عيوب تصنيعية، ولذلك تم سحبها من شوارع العاصمة.. أيضا ظهرت عيوب في طلمبات المياه والجاز والكهرباء والكرونة، ذلك يعني فنيا وجود غش او تلاعب في المواصفات التصنيعية للبصات.
حكاية الجربوكس:
ما صرح به المهندس الميكانيكي يثبت، لحد ما، الفرضية القائلة ان تجميع بصات الوالي تم محليا، والبعض يقول ان تجميعها تم بإحدى دول الخليج.. لكن الجهات الرسمية الممثلة في شركة مواصلات ولاية الخرطوم نفت تلك الفرضيات مؤكدة انها جديدة.. عموما جديدة او مستعملة، فقد تساقطت البصات خلال شهور قلائل بنسبة 90% من اسطول البصات المستوردة، بينما تم نهب وسرقة أجزاء كثيرة من ماكينات البصات التي كانت داخل مقبرة البصات قرب مضمار سباق الخيل.. وهناك بصات اخرى كانت معطلة داخل ورشة البصات بامدرمان الواقعة غرب محلية امدرمان.. ولقد عاينتها بنفسي هناك حيث تمت سرقة أجزاء من ماكينتها ومرآتها، حتى الأبواب كانت تنزع وتسرق من البصات المعطلة وتهرب عبر الحائط الغربي لورشة البصات امدرمان، لتباع لأصحاب البصات الخاصة.. للأسف، إستباحة كاملة تعرضت لها بصات الوالي.
بعد ان فاحت رائحة عيوب البصات، إعترفت شركة مواصلات ولاية الخرطوم بوجود بعض الأعطال في البصات خاصة في طلمبات المياه والجاز والكهرباء، تسببت في حرائق لعدد من البصات أثناء تحركها في شوارع العاصمة.. وتم تكوين لجنة فنية بين مهندسي الوكيل الحصري للإسبيرات والصيانة للبصات وهي شركة سودانية، وبين مهندسي الشركة الصينية المصنعة، لفحص عيوب البصات، لكنها فشلت في حل مشاكل الجربوكس، حيث صرح احد المهندسين الميكانيكيين: (قمنا بفك وتركيب الجربوكس 18 مرة ولم نستطع إصلاحه).
إختفاء الوثائق:
ومن خلال تفحصي لبعض المستندات والوثائق المتعلقة بإستيراد البصات، لاحظت عدم ظهور إسم الشركة الصينية المصنعة الام في التقارير الرسمية، ما يثير بعض علامات الإستفهام الحيرى.. فهل حدث ذلك سهوا ام عمدا؟.. أيضا لاحظت عدم وجود أي احكام قضائية معلنة ضد الشركة الموردة والمسؤولين عن المشروع بسبب الأعطال التصنيعية للبصات.. فالقضية لم تجد طريقها للمحاكم للتعقيد الذي صاحبها، وغياب او إختفاء بعض الوثائق، حيث ان صفقة البصات كانت تضم عدة جهات: (شركة مواصلات ولاية الخرطوم وهي جهة حكومية ــ والوكيل المحلي لإسبيرات البصات ــ والمصنع الصيني ــ وبنوك التمويل).. والسؤال هنا: لماذا لم تجد قضية البصات الصينية (الخُردة) طريقها للمحاكم؟.. ام ان بصات الوالي الخضراء كانت تتمتع بحصانة قانونية؟.
سؤال حائر:

حاولت الحصول على نسخة من عقد توريد البصات مع الجانب الصيني، وتسجيل شركة مواصلات ولاية الخرطوم في مسجل الشركات 2010، وعقد التمويل مع أحد البنوك الممولة للصفقة، ونسبة الفائدة، وهامش الربح، إضافة لتقرير المراجع العام حول أداء شركة مواصلات ولاية الخرطوم للسنوات (2010 ــ 2016)، بجانب محاضر إجتماعا مجلس إدارة شركة المواصلات، إلا أنني وجدت الأبواب موصدة أمامي، وكنت أستند على المادة (7) من قانون حق الحصول على المعلومات لسنة 2015.. وقتها كنت اسعى للوصول لإجابة لسؤال محدد هو: لماذا وكيف تم إستلام البصات من الشركة الصينية المصنعة بعد ظهور الأعطال؟.. سؤال حائر حتى اليوم لم أجد حقيقة إجابة له سوى بعض التأويلات.. عموما نشيد بقرار والي الخرطوم، محمد عثمان حمزة، بإعادة تأهيل البصات، ونتمنى ان يكون هو العطار الذي أصلح ما أفسده الآخرون.