آخر الأخبار

الإنترنت بين الرسالة والمصلحة… حين تتحول منصات المؤسسات إلى أدوات للتضليل

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*لم يعد الإنترنت مجرد فضاء للتواصل وتبادل المعرفة، بل أصبح القوة الأكثر تأثيراً في تشكيل الوعي العام وصناعة الرأي وتوجيه المجتمعات.. فقد انتقلت السلطة الإعلامية من المؤسسات التقليدية إلى المنصات الرقمية، أو بالكاد وأصبحت المواقع الإلكترونية والحسابات الرسمية للمؤسسات العامة والخاصة تمثل المصدر الأول للمعلومات بالنسبة لملايين الناس. غير أن هذا التحول الهائل حمل معه تحدياً بالغ الخطورة، يتمثل في الانحراف عن الرسالة المؤسسية وتحويل هذه المنصات من أدوات لخدمة المجتمع إلى وسائل تخدم أشخاصاً بعينهم، أو جماعات محددة، أو مصالح ضيقة، في تغييب متعمد للمصلحة العامة.

*إن أخطر ما يواجه الفضاء الرقمي السوداني اليوم ليس التطور التقني ذاته، وإنما سوء استخدام هذا التطور. فهناك مؤسسات أنشأت مواقعها الإلكترونية وصفحاتها الرسمية لتكون نافذة للتواصل مع المواطنين، ونشر المعلومات الصحيحة، وتحقيق الشفافية، إلا أن الواقع يكشف في كثير من الأحيان عن ممارسات مغايرة تماماً، حيث تتحول هذه المنصات إلى أدوات للدعاية الشخصية، وتلميع المسؤولين، وصناعة البطولات الوهمية، وإخفاء الحقائق التي ينبغي أن تصل إلى الرأي العام.

*إن المؤسسة، أياً كان حجمها، ليست ملكاً لمديرها، ولا لرئيس مجلس إدارتها، ولا لفريق الإعلام العامل فيها. إنها ملك للمجتمع الذي أنشئت من أجله، وتمول من موارده أو تعمل باسمه أو لخدمته.. ولذلك فإن الموقع الإلكتروني أو الصفحة الرسمية للمؤسسة لا ينبغي أن يتحولا إلى منصة لنشر صور المسؤولين بشكل يومي، أو الاحتفاء بتحركاتهم الشخصية، أو صناعة صورة ذهنية مصطنعة عنهم، بينما يتم تجاهل القضايا الجوهرية التي تمس المواطنين أو المستفيدين من خدمات المؤسسة.

*وتزداد خطورة الأمر عندما يصبح القائمون على إدارة المحتوى الرقمي شركاء في هذا الانحراف، فيمارسون رقابة انتقائية على المعلومات، فينشرون ما يخدم مصالح الإدارة، ويحجبون ما يكشف أوجه القصور أو يثير الأسئلة المشروعة.. وهنا لا يعود الإعلام المؤسسي وسيلة للتواصل، بل يتحول إلى أداة لتوجيه الرأي العام، وصناعة واقع افتراضي يختلف تماماً عن الواقع الحقيقي.

*لقد أدى هذا السلوك إلى إضعاف الثقة بين المؤسسات والجمهور.. فالمواطن أصبح أكثر وعياً، وأكثر قدرة على المقارنة بين ما يقرأه في المنصات الرسمية وما يراه على أرض الواقع.. وعندما تتسع الفجوة بين الحقيقة والخطاب الإعلامي، تتراجع المصداقية، وتفقد المؤسسة أهم أصولها المعنوية، وهي ثقة المجتمع.

*ولا يقف الأمر عند حدود التلميع الشخصي، بل يمتد أحياناً إلى ممارسات أكثر خطورة تتمثل في التضليل المنظم، من خلال انتقاء الأخبار، وإخفاء الوقائع، وصناعة سرديات تخدم مصالح ضيقة، أو تشويه المنافسين، أو تزييف الإنجازات، أو إعادة إنتاج المعلومات بصورة توحي للرأي العام بأن المؤسسة تحقق نجاحات استثنائية، بينما تشير المؤشرات الواقعية إلى عكس ذلك.

*إن التضليل الإعلامي ليس مجرد مخالفة أخلاقية، بل يمثل اعتداءً على حق المجتمع في المعرفة. فحق الحصول على المعلومات الصحيحة أصبح من الحقوق الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة، لأن اتخاذ القرار السليم يبدأ دائماً من امتلاك المعلومات الدقيقة.. وعندما تُحجب الحقيقة أو تُشوَّه، يصبح المواطن ضحية لخداع منظم، وتتحول المؤسسات إلى أدوات لإنتاج الوهم بدلاً من إنتاج المعرفة.

*وفي بعض الحالات، تتجاوز الممارسات حدود التضليل إلى استغلال الموارد العامة لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية. فقد تُسخر فرق الإعلام، والمعدات، والمواقع الإلكترونية، وصفحات التواصل الاجتماعي، والميزانيات المخصصة للتوعية وخدمة الجمهور، في بناء الصورة الشخصية للمسؤول، أو في تصفية الحسابات، أو في دعم طموحات فردية لا علاقة لها برسالة المؤسسة. وهذا يمثل انحرافاً عن الغاية التي أنشئت من أجلها هذه المنصات، وإهداراً للمال العام والموارد البشرية.

*كما أن بعض المسؤولين يقيسون نجاح إدارات الإعلام بعدد الأخبار التي تحمل أسماءهم، أو بعدد الصور التي يظهرون فيها، أو بحجم التفاعل مع منشوراتهم الشخصية، بينما تغيب المؤشرات الحقيقية للأداء، مثل جودة الخدمات الإعلامية، وسرعة الاستجابة لاستفسارات الجمهور، وشفافية نشر المعلومات، ومستوى الرضا المجتمعي.

*إن الإعلام المؤسسي الحقيقي لا يُبنى على الأشخاص، وإنما على الرسالة. فالمؤسسات الناجحة هي التي تجعل المواطن محور اهتمامها، وتتعامل مع الموقع الإلكتروني باعتباره سجلاً عاماً للمعلومات، ومنصة للحوار، ووسيلة للمساءلة، لا أداة للدعاية الفردية. وهي تدرك أن المدير سيغادر منصبه يوماً ما، بينما تبقى المؤسسة، وتبقى سمعتها، ويبقى أرشيفها شاهداً على مدى احترامها للمهنية.

*لقد فرض العصر الرقمي معايير جديدة للحوكمة والشفافية، وأصبحت المؤسسات الرائدة تنشر بياناتها وتقاريرها وميزانياتها ومؤشرات أدائها بصورة دورية، وتفتح المجال للنقد المسؤول، وتصحح أخطاءها عند وقوعها، لأن الاعتراف بالخطأ يعزز الثقة، بينما يؤدي إخفاؤه إلى تعميق الأزمة.

*إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالرقابة وحدها، وإنما بإرساء ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الفصل الواضح بين الإعلام المؤسسي والإعلام الشخصي، ووضع سياسات تحريرية معلنة، وتحديد مسؤوليات القائمين على إدارة المحتوى، وربط الأداء الإعلامي بمؤشرات مهنية قابلة للقياس، وإخضاع المنصات الرسمية للمراجعة الدورية، وتفعيل آليات المساءلة عند استغلالها لتحقيق مصالح خاصة.

*كما ينبغي أن تتعزز الثقافة الرقمية لدى المجتمع، حتى يصبح المتلقي أكثر قدرة على التحقق من المعلومات، والتمييز بين الخبر المهني والدعاية المقنعة، وبين الإعلام المسؤول والإعلام الموجه، لأن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل.

*ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى أين يسير كل ذلك؟ وهل يمكن أن تستمر المؤسسات في فقدان رسالتها لصالح صناعة الأشخاص؟..إذا استمر هذا النهج، فإن الخاسر الأكبر لن يكون مديراً أو موظفاً أو مؤسسة بعينها، بل ستكون الثقة العامة، وهي الركيزة التي تقوم عليها الدولة الحديثة والمجتمع المتماسك. فحين تتحول المنصات الرسمية إلى أبواق شخصية، ويصبح الإعلام أداة لتزييف الواقع بدلاً من كشفه، فإن المجتمع يفقد بوصلته، وتتآكل قيم الشفافية والمساءلة، وتترسخ ثقافة الخداع باعتبارها وسيلة لتحقيق النفوذ.

*إن الإنترنت لم يُخلق ليكون مرآةً لأهواء الأفراد، بل فضاءً مفتوحاً للحقيقة، وجسراً للتواصل، وأداة لخدمة الإنسان.. والمواقع الرسمية ليست ملكاً للعابرين على كراسي الإدارة، وإنما أمانة في أعناق من يديرونها، ورسالة ينبغي أن تُؤدى بصدق ومسؤولية. وعندما يدرك القائمون على هذه المنصات أن التاريخ لا يحفظ عدد الصور المنشورة، بل يحفظ مقدار الصدق والشفافية وخدمة الناس، عندها فقط تستعيد المؤسسات رسالتها، ويعود الإعلام الرقمي إلى دوره الحقيقي بوصفه سلطة للمعرفة، لا وسيلة لصناعة الأوهام أو توظيف النفوذ.