درجات الحرارة المرتفعة كشفت حجم الكارثة(قطوعات الكهرباء) …أزمة وطنية شاملة
- ظهور أعراض نفسية وحالات إحباط وسط بعض الأسر بسبب الكهرباء
- الطلاب يدفعون ثمنا باهظا والمزارعون يتعرضون لخسائر جسيمة
- ملايين الجنيهات الخسائر اليومية والإستثمار الزراعي في كف عفريت
الدبة ــ عادل الحاج:
لم يعد إنقطاع الكهرباء في السودان مجرد أزمة خدمية بل تحول إلى أزمة وطنية شاملة تستنزف الإقتصاد وتضرب الزراعة وتربك الأسواق وتهدد حياة المرضى وتنعكس على التعليم والإستقرار النفسي للمواطنين خاصة في ظل موجة حر خانقة تجاوزت فيها درجات الحرارة في عدد من ولايات البلاد 47 درجة مئوية ووصلت في بعض المناطق إلى نحو 50 درجة.. وفي الوقت الذي يبحث فيه المواطن عن نسمة هواء تخفف وطأة الحر يجد نفسه في مواجهة ساعات طويلة من الظلام بينما تتوقف مضخات المياه وتتعطل المصانع وتتلف الأغذية والأدوية ويتحول الصيف إلى موسم للخسائر اليومية ويقدر اقتصاديون أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن إنقطاع الكهرباء في مختلف القطاعات تبلغ مئات الملايين من الجنيهات يومياً وقد تصل إلى مليارات الجنيهات خلال فترات الإنقطاع الممتدة نتيجة توقف الإنتاج وتلف السلع وإرتفاع تكاليف التشغيل وتراجع النشاط التجاري بينما أصبح الإستثمار الزراعي في كف عفريت.. التحقيق التالي يناقش الآثار السالبة الناجمة عن قطوعات الكهرباء على مختلف نواحي الحياة.
أضرار جسيمة:

في المشاريع الزراعية بالشمالية ونهر النيل والجزيرة وسنار، أصبحت الكهرباء هي شريان الحياة للمحاصيل الزراعية، وفي هذا السياق، يؤكد، عوض علي حسن عجب، (ود الدخيني)، صاحب مشروع خلوي بمنطقة وادي عريس بالولاية الشمالية: (الإنقطاع المتكرر للتيار الكهربائي الحق أضراراً جسيمة بالقطاع الزراعي، بعد أن تسبب في تعريض المحاصيل للإجهاد المائي نتيجة توقف عمليات الري في أوقات حرجة، لاسيما في ظل الإرتفاع القياسي لدرجات الحرارة.. وتضررت محاصيل النخيل والقمح والبرسيم والموالح والخضروات والفاكهة بصورة كبيرة، إذ أدى إنقطاع الكهرباء إلى جفاف عدد من المزروعات، وضعف إنتاجية بعضها الآخر، فضلاً عن إرتفاع تكاليف التشغيل بسبب اللجوء إلى المولدات التي تعمل بالديزل.. وإستمرار أزمة الكهرباء يهدد مستقبل الإستثمار الزراعي في الولاية الشمالية، التي تُعد من أهم المناطق المنتجة للمحاصيل البستانية والإستراتيجية في السودان، فالقطاع الزراعي يمثل العمود الفقري للإقتصاد الوطني، وإستمرار تدهوره ستكون له إنعكاسات مباشرة على الأمن الغذائي والصادرات الزراعية ودخول آلاف المزارعين.. وعبر صحيفتكم (أصداء سودانية) نناشد الجهات الحكومية المختصة التحرك العاجل لوضع حلول جذرية ومستدامة لأزمة الكهرباء، وتأمين إمداد كهربائي مستقر للمشروعات الزراعية، فإستمرار الوضع الراهن سيؤدي إلى خسائر إقتصادية فادحة، ويقوض جهود الدولة في زيادة الإنتاج وتحقيق التعافي الاقتصادي.
مضاعفة التكلفة:

ويقول المزارع، محمد أحمد، من الولاية الشمالية: (في بعض الأيام تنقطع الكهرباء في الوقت الذي تحتاج فيه المحاصيل إلى الري، وعندما تعود يكون جزء من الزرع قد تعرض للإجهاد، خاصة الخضروات والبرسيم،وتشغيل مولد الديزل لساعات طويلة يضاعف تكلفة الري، إذ ارتفعت مصروفات الوقود والزيوت والصيانة بصورة جعلت كثيراً من المزارعين عاجزين عن مواصلة الإنتاج.
مهندس زراعي يؤكد أن إستمرار إنقطاع الكهرباء قد يؤدي إلى إنخفاض إنتاجية بعض المحاصيل بنسبة تتراوح بين 20 و40%، بينما ترتفع تكلفة الإنتاج بأكثر من 30% بسبب الإعتماد على الوقود.
زيادة التضخم:
يرى الخبير الإقتصادي الدكتور، عبد الرحمن الأمين، أن الكهرباء أصبحت العامل الأكثر تأثيراً في تكلفة الإنتاج، ويقول: كل ساعة إنقطاع تعني إنخفاضاً في الإنتاج الصناعي، وإرتفاعاً في تكلفة السلع، وزيادة معدلات التضخم، فضلاً عن تراجع ثقة المستثمرين في بيئة الإستثمار ويضيف:
المصانع الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر تضرراً، لأن كثيراً منها لا يمتلك مولدات كهربائية أو لا يستطيع شراء الوقود بصورة مستمرة..
فإستمرار أزمة الكهرباء ينعكس في النهاية على المواطن الذي يدفع فاتورة الإنقطاع في شكل إرتفاع متواصل في الأسعار.
خسائر متراكمة:

داخل الأسواق، تبدو آثار الأزمة أكثر وضوحاً بسبب الخسائر المتراكمة
و شدد التاجر، بخيت سيد أحمد بخيت، من حسينارتي بريفي الدبة، ضرورة أن تجد الجهات المعنية حلولاَ مناسبة وسريعة لمشكلة الكهرباء التي باتت تؤرق الجميع وقال:
تذبذب وإنقطاع التيار الكهربائي بصفة مستمرة يؤثر تأثيرا بالغاً وكبيراً على السلع الإستهلاكية التي تتطلب وضعها في الثلاجات كاللحوم، والأسماك، والطيور، و والألبان و منتجاتها كالاجبان والمش والزبادي وغيرها.. فإرتفاع درجات الحرارة هذا الصيف والذي تجاوز 45 درجة مئوية أفسد كثير من المواد الإستهلاكية اليومية، حتى تلك التي توضع في الأرفف كالحلويات وغير مما يتطلب تدخلاً سريعاً من الجهات المعنية لوضع حلول سريعة لقطوعات الكهرباء التي أصبحت تهدد حتى الصناعات الوطنية في البلاد.
الإجهاد الحراري:
في القطاع الصحي، تبدو الأزمة أكثر خطورة، ويحذر إختصاصي الباطنية الدكتور، أحمد الطيب، أن إرتفاع درجات الحرارة مع إنقطاع الكهرباء يؤدي إلى زيادة حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس والجفاف، خاصة بين كبار السن والأطفال ومرضى القلب والكلى والسكري
ويضيف: (إنقطاع الكهرباء يؤثر على حفظ الأدوية واللقاحات وتشغيل أجهزة العناية المكثفة وغرف العمليات في حال تعطل المولدات أو نقص الوقود.. والمستشفيات الريفية هي الأكثر هشاشة، إذ تعتمد في كثير من الأحيان على مولدات قديمة أو تعمل لساعات محدودة.
الأدوية واللقاحات:

الدكتور الصيدلاني، محمد بادي محمد، قال: (إنقطاع التيار الكهربائي عن الأدوية والعقاقير واللقاحات له أثر بالغ، فمعظم الأدوية التي على أرفف الصيدليات ينبغي أن تحفظ تحت درجة حرارة لا تزيد عن 30 درجة مئوية.. أما بالنسبة للأدوية التي تحفظ في الثلاجات كالتطعيمات واللقحات والأمصال فإن تأثيرها يكون واضحا، فإذا لم تتأثر في شكل الدواء فإنها تتأثر في الفعالية كالأنسولين وغيره من الأدوية الأخرى والتي يجب أن تحفظ في برودة تتراوح بين 2 ــ 8 درجة مئوية.. وعلى الجهات المعنية إيجاد حلول جذرية لقطوعات الكهرباء المتكررة لا سيما وأن الأدوية مرتبطة إرتباطاً وثيقاَ بحياة الناس.
معاناة الطلاب:
الطلاب أيضاً يدفعون ثمن أزمة الكهرباء، فالإنقطاع المتكرر للكهرباء يحرم آلاف الطلاب من المذاكرة ليلاً، بينما تجعل درجات الحرارة المرتفعة الدراسة نهاراً أمراً بالغ الصعوبة.. ويرى تربويون أن إستمرار الأزمة خلال موسم الإمتحانات يؤدي إلى إنخفاض التركيز وزيادة الإرهاق، ما ينعكس على نتائج الطلاب.
ضغوط نفسية:
الأخصائية النفسية الدكتورة، سارة عبد الله، تشير أن التعرض المستمر للحر الشديد مع إنقطاع الكهرباء يؤدي إلى إضطرابات النوم، والعصبية، والتوتر، والإنفعال، ويزيد الضغوط النفسية داخل الأسر.. وتضيف: (الأطفال وكبار السن هم الأكثر تأثراً، خاصة مع إستمرار الإنقطاع لساعات طويلة.
ويرى مراقبون أن الطاقة الشمسية أصبحت طوق النجاة الوحيد لآلاف الأسر والمزارعين، لكن أي رسوم أو أعباء إضافية على إستيراد مكوناتها سترفع تكلفة الحصول عليها، وتحرم شريحة واسعة من المواطنين من بديل أصبح ضرورة لا ترفاً
الحقيقة المُرة:
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كم يستطيع الإقتصاد السوداني أن يتحمل من الخسائر جراء قطوعات الكهرباء؟
فكل ساعة تنقطع فيها الكهرباء تعني مزيداً من المحاصيل التالفة، والسلع الفاسدة، والمصانع المتوقفة، والطلاب المحرومين من الدراسة، والمرضى الذين يواجهون الخطر، والمواطنين الذين يطاردهم الحر داخل منازلهم
إستمرار أزمة الكهرباء لم يعد مجرد خلل فني، بل أصبح تهديداً مباشراً للأمن الغذائي، والإستقرار الإقتصادي، والصحة العامة، والأمن الاجتماعي، وإذا لم توضع حلول عاجلة ومستدامة، فإن فاتورة الخسائر ستتضاعف، وسيدفعها المواطن السوداني وحده، بينما تتآكل فرص التعافي الإقتصادي يوماً بعد آخر.