آخر الأخبار

العملة واجهة الدولة

بعد .. و.. مسافة

مصطفى ابوالعزائم

 

*نخشى ما نخشى على بلادنا من الإنهيار المريع، السريع ونحن نتابع إنهيار الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، خاصةً تلك التي كان يتقدمها ويساوي منها الكثير حتى وقت قريب.

*إنهيار العملة مؤشر خطير لتدني إقتصاد الدولة، لأن قيمة العملة لا ترتفع إلا عندما يتزايد الطلب عليها في الأسواق العالمية للصرف الأجنبي مقارنة بعرضها، وهو ما يؤثر ويتأثر بقوة الإقتصاد، إضافة للسياسات والتوجهات الإقتصادية الصارمة مع زيادة الثقة المحلية والعالمية في الإستثمار.

*ترتفع قيمة العملة لأي دولة عندما يزيد الطلب عليها كما أسلفنا، وهذا يتحقق في حالات نمو الصادرات مقابل الواردات، إضافة إلى أن السيطرة على معدلات التضخم يحافظ على القوة الشرائية للعملة المحلية ويمنع تراجعها، وكذلك الإستقرار السياسي والإقتصادي يجذب المستثمرين ويزيد من الإحتياطي النقدي ويدفع بتدفقات النقد الأجنبي من السياحة أو الإستثمارات، يدعم قوة العملة المحلية.

*مساء السبت كان هذا محور نقاش بيني وبين خبير معالجة الأزمات الأستاذ عبدالهادي الكنزي عقب صلاة العشاء في أحد مساجد الحي الذي نقيم فيه، وكان أحد مقاهي حي الكوم الأخضر بالهرم في الجيزة مسرحا لنقاشنا ذاك، وسألني الأستاذ عبدالهادي قائلاً : لماذا لا تكتب عن تدني العملة الوطنية وقد بلغت قيمة الجنيه المصري حتى الآن حوالي مائة وثمانية عشر جنيه سوداني.

*قلت للأستاذ الكنزي إن الأمر لا يحتاج لكتابة، فالأسباب واضحة، وحالة الحرب القائمة الآن في بلادنا هي السبب في كل ما نعاني منه، وكل ما يعاني منه الإقتصاد، وهناك ترابط بين العوامل الإقتصادية والسياسية والأمنية، هذا غير العجز في الميزانية العامة، مع طباعة أوراق نقدية بلا غطاء حقيقي من الإنتاج، مع زيادة الإنفاق الحكومي من الإيرادات العامة وهذا يعني زيادة الضرائب على المواطن المسكين الذي يعاني أصلا من تدني الدخل المحدود وتدني الخدمات العامة ،  إضافة إلى تفشي الفساد في كثير من مرافق الدولة.

*إتفقت ومحدثي على أن ما نعاني منه الآن ليس نتيجة فقر في الموارد، بل نتيجة سوء في إدارتها وإدارة الدولة، ويكفي أننا أكبر دولة منتجة للصمغ العربي ومع ذلك نجد أن دولاً أخرى تتصدر قائمة تصديره، وهذا يعني أن هذه الثروات يتم تهريبها – على عينك يا تاجر – دون ضبط أو متابعة أو تفعيل للقوانين، وكذلك الحال بالنسبة للذهب الذي لا يدخل من عائداته لخزينة الدولة الا القليل، ومن المفارقات أيضاً أن بلادنا من الدول المنتجة لأجود أنواع السكر – سكر القصب – بينما تقوم إحدى دول غرب أفريقيا بتصدر ذات السكر السوداني إلى دول العالم في حين انها دولة غير منتجة للسكر.

الأمثلة كثيرة لذلك نخشى أن تؤدي هذه الفوضى إلى إنهيار الدولة، فالاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة.

*قلت لمحدثي إن حكومة لا تستطيع فرض هيبة الدولة لا تستحق أن تستمر يوماً واحداً، ولابد من تدخل السلطات السيادية لمعالجة الأمر، ومع حالة غياب سلطة تشريعية منتخبة يتطلب الأمر تعيين برلمان معين تضم عضويته خبراء ومختصين في كل المجالات، إلا إذا كان القائمون بالأمر لا يلقون بالا ولا يكترثون لما يحدث الآن،  وفي هذه الحالة لا نملك إلا أن ننعى وطنًا كان لنا فأضاعه الفساد والإهمال.