آخر الأخبار

خلف سلة القمامة

 

جمال بربري – مصر:

أزحتُ نظري عن شاشة الهاتف. كان الخبرُ يتمدّدُ كبقعةِ زيتٍ ملونة: لاعبُ كرةٍ شاب، يتسلم في العام الواحد أكثر من مئة مليون.

عدتُ بذهني إلى عملي بيديَّ اليابستين، وإلى عرق العقود الماضية.

حَسِبتُ سنواتِ عُمُري المقبلة، وطاقتي التي تشتعلُ كل صباح، والأيامَ التي سأفنيها بين الأوراق وأدوات العمل بجدّ واجتهاد؛ لعلي أحصلُ على ربع هذا المبلغ.. بل على كَسْرٍ ضئيلٍ منه.

بدا الأملُ صخرةً صماء، وانزلقتُ في سَرْحةٍ طوّحت بي في دهاليز العمر، أتأملُ كيف تُوزّع الخيارات، وكيف تُثمّن الأرواح.

لم أستفق من شرودى  إلا على حركةٍ متوانيةٍ عند قارعة الطريق.

هناك، على مسافة خطوات، كان يقف. ظهرٌ مقوّسٌ يُشبه قوساً انكسر وترُه، ويدان ترتعشان وهما تمتدان بخجلٍ يخالطه ذعرٌ مباغت، كمن يرتكب جريمةً تحت عين الشمس. لم يكن غريباً؛ إنه الأستاذ (عبد القادر)

الرجل الذي كنا نخاف منه دائماً، يمر في الشارع فننزوي بعيداً عن عينيه. الرجل الذي علّمني كيف أتهجّى الحرف الأول، وكيف يكسر بعصاه جهلنا، ويفلق بحر الظلمات حتى نعبره، ومن يتخلف يسقط غريقاً في يمٍ كبير لا يستطيع النجاة منه. حتى لو امتلك المال بعد ذلك، فإنه في النهاية جاهل لا يرى النور.

ذلك الرجل الذي خرّجت يداه أجيالاً من المهندسين والأطباء والمعلمين، وكان صوته الجهوري يملأ قاعات المدرسة بالكرامة واليقين.

كان الأستاذ يلتفتُ حوله بوجل، يُخفي وجهه في ظلال شالٍ قديم، ثم يحني قَامَته المنهكة ليلتقط علبة (كانز) فارغة من سلة القمامة، ويلقيها في كيسٍ أسود يداريه خلف ساقيه.

تسمّرتُ في مكاني. جفت الكلمات في حلقي. كانت الحركة سريعة، لكنها تختصرُ فصولاً كاملة من انكسار المعنى. علبةُ ألومنيوم فارغة يُساوي ثمنُها القليل سترَ يومه، في حين تفيضُ الملايينُ المترفةُ على هامش الألعاب.

خطوتُ نحوه خطوتين، أردتُ أن أناديه، أن أردّ عنه هذا الذعر، لكنني توقفت. خفتُ أن أجرحَ ما تبقى في عينيه من كبرياء. رأيته يمسح عرق جبهته بظهر كفه، يُعدّلُ من ركوع ظهره الخجلان، ويغيبُ بين زحام المارة الذين لا يلتفتون إلى النجوم حين تَهوي.

في تلك اللحظة بالذات، انقشع السهوُ عن صدري ليحلّ محله يقينٌ ثقيلٌ كالرصاص. أيقنتُ أن المقاييس قد اختلت، وأن القيمة لم تعد لما يبني العقول ويرمم النفوس، بل لما يُسلي الزحام. ووسط هذا الشحوب، بدا المستقبلُ أمامي لوحةً مطفأة، ينطفئ فيها ضوء المعرفة ليحلّ محله ظلامٌ لا يرحم.