آخر الأخبار

الإعتراف الدولي بالاقاليم المنفصلة بين القانون الدولي والاعتبارات السياسية والدبلوماسية

السفير عبد الحفيظ العوض
*يعد الإعتراف الدولي بالاقاليم المنفصلة عن الدول القائمة من أكثر القضايا تعقيدا في القانون الدولي والسياسة المعاصرة.
*فبينما تؤكد المواثيق الدولية على مبدأ وحدة أراضي الدول واحترام الحدودالموروثةthe respect for border territorial integrity and existing frontiers
*فالمقابل يطرح مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير إشكالية تتعلق بإمكانية الانفصال وتأسيس كيانات جديدة، وقد أثارت هذه المعضلة نقاشات واسعة بين الفقهاء والدبلوماسيين، خاصة مع تعدد حالات الانفصال الناجحة الفاشلة عبر العالم.
*أسوق ذلك ونحن بين يدي الواقع الراهن بعد إعلان مليشيا الدعم السريع المحلولة بتاريخ 30 سبتمبر 2025 عن تشكيل سلطة موازية وذلك بالمشاركة مع عبدالعزيز الحلو، وتقدم المسمى الجديد لتجمع قحت
لتكون نيالا مقرا لما سمي حكومة تأسيس بهدف حكم السودان.
*تأتي هذه الخطوة بعد فشل محاولة هذه القوات في استلام السلطة في 15 أبريل 2023 ، على الرغم من حشدها لأكثر من 120 ألف جندي و10آلاف مركبة عسكرية في ولاية الخرطوم ومحيطها، مما أدى الي اندلاع الحرب والذي نجحت عبرها القوات السودانية من دحر تلك القوات المتمردة من العاصمة وعدد من الأقاليم التي استولت عليها.
*فبينما يظن التمرد انه بهذا الإعلان يحقق مكاسب آنية ، فإن تحليل الديناميات الحالية يظهر ان قوات التمرد أصبحت أداة مزدوجة الوظيفة فهي تسعى من جهة لتثبيت نفوذها عبر التحالف مع قوات الحلو وتقدم،. ومن جهة أخرى يجري توظيفها من قبل قوى اقليمية تعمل لخدمة السيناريو المعد لفصل الإقليم, فهل سيعترف المجتمع الدولي بهذه السلطة.

*من منظور القانون الدولي لايوجد نص صريح يمنع اي إقليم من إعلان استقلاله من طرف واحد، وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الإستشاري 2010 بشأن استقلال كوسوفو أن الإعلان في حد ذاته لايتعارض مع أحكام القانون الدولي، غير ان الاعتراف بهذا الاستقلال يظل مسألة سيادية تترك لكل دولة على حدة.
*فالحق في الانفصال الاحتياطي Remedial cecession
مقبول فقط في حالات استثنائية ( الاحتلال، القمع، انتهاكات حقوق الإنسان، الحرمان من التمثيل الداخلي)
وهو ما يجعل الأمر مرتبطا بالسياسة والتحرك الدبلوماسي أكثر من ارتباطه بالقانون.
نماذج وأمثاله لذلك:
*انفصال جنوب السودان 2011 حصل على استقلاله بموجب إتفاق سلام وموافقة الحكومة السودانية ماسمح باعتراف دولي واسع وسريع
لكن ذلك عكس حالة كوسوفو 2008 انفصلت عن صربيا دون موافقة الأخيرة لهذا وبعد كل هذه السنوات حصلت على موافقة 100 دولة لكنها لم تتمكن من الانضمام للأمم المتحدة بسبب معارضة روسيا والصين.
*بنغلاديش 1971 (من باكستان) إعلان استقلال ناجح بعد حرب، حاز اعترافا واسعا، يعد من النماذج القليلة جدا التي نجحت في الانفصال من دون موافقة الدولة الأم.
*إريتريا 1993 نالت استقلالها بعد استفتاء اشرفت عليه الأمم المتحدة وبموافقة إثيوبيا، مما جعل الاعتراف بها شبه جماعي.
*قبرص الشمالية 1983 أعلنت استقلالا من قبرص واعتبر مجلس الأمن إعلانها غير شرعي فلم تعترف بها الا تركيا.
*كتالونيا 2017 إعلان استقلال آحادي الجانب من داخل البرلمان الكتلوني ولم يحظ بالاعتراف واعتبرته أسبانيا غير قانوني بموجب الدستور الاسباني.
*كيبك (كندا) المحكمة الكندية أكدت انه لايوجد حق دستوري للانفصال
ايرلندا اعلان استقلال من بريطانيا أسس الجمهورية الايرلندية بشكل آحادي الجانب.
*بيافرا نيجيريا 1967-1970 أعلنت استقلالها من جانب واحد، لكن المجتمع الدولي رفض الاعتراف بها وانتهي الأمر بعودتها إلى نيجيريا بعد حرب دامية.
*أرض الصومال (صوماليالاند) تمارس استقلالا فعليا منذ 1991 الا انها لا تحظى باعتراف دولي رسمي
الصحراء الغربية حالة استثنائية حيث اعترف الاتحاد الافريقي بالجمهورية الصحراوية رغم استمرار النزاع مع المغرب والتي انسحبت بدورها من الاتحاد حينها.
موقف الاتحاد الافريقي:
يتمسك الاتحاد الافريقي بمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار uti possideis juris، وهو مبدأ تأسس منذ عهد منظمة الوحدة الافريقية 1963 ويعني ذلك رفض الاعتراف بأي كيان انفصالي ينشأ من جانب واحد، وذلك للحيلولة دون تفكك الدول الأفريقية إلى كيانات متعددة بسبب التنوع العرقي والقبلي.
*لقد اعترف الاتحاد الافريقي باستقلال جنوب السودان لكونه نتاجا لاتفاق سياسي وذلك بعد اعتراف الدولة الام
كما دعم استقلال إريتريا بعد استفتاء شرعي وتوافق مع إثيوبيا
لكنه رفض الاعتراف بمحاولات انفصالية مثل بيافرا، وكاتانقا و صوماليالاند.
الانفصال بين مخطط خفي وتجربة ماثلة:
*نشير إلى ان الوثيقة الدستورية الانتقالية 2019 والتي وضعتها قحت (تقدم حاليا) بيديها وشارك فيها الدعم السريع تنص على وحدة السودان الترابية والسيادة الوطنية كمبدا دستوري اساسي، وهو ذات الشئ الذي عبرت عنه ضمنيا النسخة المعدلة لهذه الوثيقة 2025 في الحفاظ علي وحدة الدولة ومنع الانفصال.
*إلا أن السيناريو يتكرر بذات الشخصيات التي شاركت في صياغة دستور 2005 الذي أكد على وحدة البلاد وتشجيع الوحدة ، الا انها اشتغلت على عكس ذلك مسخرة كل علاقاتها واتصالاتها من أجل الضغط لاعلان مصير الإقليم.
*حيث عادت تلك الشخصيات لتلعب ذات الدور مرة أخرى على نفس المسرح ولكن بإخراج آخر من أجل تنفيذ مخطط تقسيم البلاد.
*وعلى الرغم من أنه حتى الآن لم يصدر اي تصريح رسمي من اي مسؤول من أفراد السلطة الموازية بشأن نيتهم فصل الإقليم، الا ان دورهم المرسوم يتمثل في هذه الخطوة الأولى بالإعلان عن الفصل السياسي والإداري للاقليم. وستقوم القوى التي من خلفهم بكل تأكيد بإكمال بقية المخطط، بحيث يصبح من العسير إيقاف مسار الانفصال حتى ولو رغبوا في ذلك.
*ولعل تجربة جنوب السودان ليست ببعيدة عن الاذهان، فقد مثلت واحدة من أبرز التحولات الدراماتيكية في تاريخ المنطقة.
*فعلى الرغم من أن الراحل جون قرنق زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، لم يكن في جوهر مشروعه انفصاليا، الا ان حادث موته قد غير مسار الأحداث بشكل جذري.
*فبعد رحيله دخلت البلاد في مرحلة جديدة، حيث غابت الرؤية التي كان يحملها وبرزت أصوات دفعت نحو الانفصال، مدعومة بظروف سياسية وامنيه واقتصادية معقدة، ومع مرور الوقت أصبح خيار الانفصال هو المسار الأقرب للواقع، حتى أعلن رسميا في استفتاء عام 2011 لتنشا دولة جنوب السودان.
*لهذا يبقى الرهان على قيادة الدولة بتفعيل كافة آليات الدبلوماسية السودانية وعلى مختلف مستوياتها من اجل إجهاض هذا المشروع في مهده. ذلك بالتوازي مع الحسم العسكري في الميدان.
*ونثق في ان القيادة ستقوم بدورها المطلوب، حتى لا يترك لهؤلاء المتلاعبين بمصير الوطن ووحدته اي فرصة لتقسيم البلاد.