آخر الأخبار

بنية الدبلوماسية السودانية بين السلام والحرب(2-2)

 

  السفير أنس الطيب الجيلاني

*يدورتساؤل حول علاقة الدبلوماسية والحرب هل هي متلازمة طردية أم أن هنالك علاقات بين هذين المفهومين. وأقول أن هنالك ثمة شبه وتداخل، فللدبلوماسية أهمية في مرحلة دخول الدولة في الصراع المسلح فمنذ بروز حركة التمرد في جنوب السودان في العام 1955م ومروراً بحرب الجنوب التي زاد أوارها في عهد الصادق المهدي في العام 1986م ومروراً بعهد الرئيس البشير وما تشهده البلاد في حرب الكرامة حالياً مع مليشيا الدعم السريع ظلت الدبلوماسية في كل هذه العهود هي خط الدفاع الأول  عن سيادة وكيان الدولة السودانية.. تمارس الدبلوماسية أدواراً مقدرة في إحداث التوازن وتقوية الجبهة الداخلية ومقاومة السناريوهات الخارجية وتعظيم فرص مصالح الدولة الوطنية وحمايتها من التدخلات الخارجية، وتمارس الدبلوماسية كذلك بعض المفاهيم المستخدمة وبما يعرف بالدبلوماسية الوقائية (Preemptive diplomacy) فاللجوء للعنف وإستخدام الوسائل العسكرية متاح للدول بموجب ميثاق الأمم المتحدة في حالة الدفاع عن النفس وفشل الجهود الدبلوماسية والسياسية في نزع فتيل الأزمات بين الدول، والنزوع لإستخدام القوة وتحقيق ما عجزت عن تحقيقه المفاوضات الدبلوماسية.

*وحتى عند نشوب النزاعات لا تيأس الدبلوماسية في ممارسة الوساطات والتجاوب مع الجهود الدولية  والإقليمية ومبادرات الأصدقاء والأشقاء وربما أحياناً الجيران، حيث تسعى الدبلوماسية في وقت الحرب لإبداء المرونة وفتح الأبواب المغلقة لتقليل الخسائر البشرية والمادية.

*ومن المقاربات الموجودة بين مفهومي الدبلوماسية والحرب هو تعيين الدول للعسكريين في السلك الدبلوماسي وأحياناً كوزراء للخارجية وهي ممارسة معمول بها في جميع دول العالم والسودان ليس إستثناءاً من هذه القاعدة، مما يعزز إرتباط الدبلوماسية بالعسكرية، ولا نكاد نجد في أية دولة من دول العالم لا يشتمل مجلس أمنها القومي أو الدفاعي على ممثل للخارجية أو الدبلوماسية، ذلك لأن الدبلوماسية والعسكرية دعامتين أساسيتين لمفهوم الأمن القومي. فالدبلوماسية تسبق الحرب وعندما تستنفد أغراضها وتصل مرحلة الإغلاق (Dead Lock) يبدأ بعدها التلويح بإستخدام القوة العسكرية والعنف عوضاً عن الدبلوماسية والتفاوض لإيجاد الحلول السلمية، وهذا يذكرنا بالمقولة الشهيرة  إذا أردت السلم فتهيأ للحرب” والتهيؤ يشمل الإستعداد المستمر ورفع القدرات والتسليح وتقوية البنية الإقتصادية للدولة.

*وبهذه المحاولة من إيجاد مقاربة بين الدبلوماسية والحرب والتي تعددت أنماطها وحدودها وأشكالها من دبلوماسية المنظمات الدولية إلى دبلوماسية المؤتمرات الدولية ودبلوماسية القمة والدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية الدفاعية والدبلوماسية الإقتصادية ودبلوماسية التنمية، يقول هنري كيسنجر في كتابه  الدبلوماسية من الطبيعي أن يظهر في كل قرن بلد يمتلك القوة والزخم الفكري لتشكيل النظام الدولي وفقاً لقيمه الخاصة، ففي القرن الثامن عشر نادت المملكة المتحدة بمبدأ ( توزان القوى) الذي كان مسيطراً على القارة الأوربية على مدى مائتي عام، وفي القرن التاسع عشر أعادت النمسا بناء الحلف الأوربي ثم فككته ألمانيا وأعادت تشكيل الدبلوماسية الأوربية . أما في القرن العشرين فسيطرت الولايات المتحدة بصورة حاسمة على العلاقات الدولية ونحو الختام في تقديري سيشهد العالم بعد الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران والتي إندلعت شرارتها في 28 فبراير 2026م تحالفات توازن جديد للقوى لن تتضح معالمه إلا بعد إنتهاء جولات التفاوض التي تلعب فيها باكستان دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران والتي بلا شك سترسم ملامح الإقليم والشرق الأوسط الجديد وربما ترسم كذلك النظام الدولي الجديد للعقد القادم على أنقاض النظام الدولي الجديد (New World Order) والذي تشكل في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م وهجوم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن على مبنى التجارة الدولية بنيويورك هذا النظام الذي أنشأه الرئيس جورج بوش الإبن على قاعدة من ليس معنا فهو ضدنا.