آخر الأخبار

بدون عنوان

بُعْدٌ .. و .. مسَافَة

مصطفى ابوالعزائم

 

*حقيقة بحثت عن عنوان مناسب لهذا المقال، الذي دارت فكرته في رأسي قبل أن أشرع في كتابته، لكنني لم أجد عنواناً مناسباً،  فآثرت أن أتركه  بلا عنوان، لذلك أخترت له العنوان أعلاه.

*تراكمت الأحزان في نفوسنا منذ إنطلاقة الرصاصة الأولى للتمرد في الخامس عشر من أبريل 2023 م ، وظلت تزيد مع فقد كل عزيز وغال ونفيس، ومع الأحزان إرتفعت نسبة الأمراض بين الناس، حتى أنني أذكر قبل نحو عام ونصف تقريباً وكنت وقتها في مدينة بورتسودان، إطلعت في الأسافير على تقرير منسوب إلى جهة صحية رسمية، أفاد بأن نسبة المصابين بمرض ضغط الدم بين البالغين في السودان، بلغت نحو خمسين في المائة، ولم أستبعد ذلك لأن صاحبكم نفسه أصيب بذات المرض عقب إندلاع الحرب ، مع مرض السكري.

*حالة عامة من الإكتئاب عمت وسط عدد كبير من المواطنين الذين إضطرتهم ظروف الحرب والقتال إلى النزوح من مناطقهم ، أو اللجوء إلى دول الجوار أو دول أخرى.

*كنا قبل هذه الحرب اللعينة نتعامل مع الموت والحياة بما وقر في قلوبنا من إيمان راسخ بأقدار الله، ونؤمن بالحكمة القديمة التي تقول : (تتعدد الأسباب والموت واحد)، وهي مأخوذة في تقديري من بيت شهير للشاعر إبن نباتة السعدي يقول فيه : ومن لم يمت بالسيف مات بغيره … تعددت الأسباب والموت واحد.

*زادت الأحزان مع الإحساس بالبعد عن الوطن، والغربة الإضطرارية ، التي تجعل السجن داخل الوطن أفضل ألف مرة من الحرية في فضاءات المنافي.

*حالة من الإحباط كنت أحسب أنها تعتريني وحدي، لكنني وجدتها تعتري كل من حولي، حتى الذين ألتقيهم بالصدفة في المساجد أو في الطرقات أو المقاهي.

*خنقتني العبرات وأنا أمام قبر أصغر أشقائي حسام الدين ابوالعزائم – رحمه الله – هنا في مصر، والذي إنتقل إلى جوار ربه أواخر أغسطس الماضي، وكان إلى جانب القبر داخل (حوش) مغلق أكثر من مقبرة لمواطنين سودانيين، فطاف بذهني ما نقلته الروايات التاريخية عن اللحظات الأخيرة للشاعر العربي الكبير إمرؤ القيس، وهو في طريقه إلى القسطنطينية – حيث توفي هناك – وقد إشتد عليه المرض، فنظر إلى قبر بجواره، فسأل عنه فقيل له إنه قبر إمرأة غريبة ماتت في تلك الديار، فأنشد قصيدة حزينة يواسي فيها نفسه ، جاء في أحد أبياتها، ذلك البيت الشهير:

أجارتنا.. إنا غريبان ههنا

وكل غريب للغريب نسيب.

*حقاً إن الموتى في المهاجر ومناطق النزوح واللجوء تجمعهم رابطة الغربة والبعد عن الوطن.

*قد يتساءل أحد عن دوافع هذا المقال المحزن والمحبط، لكن الذين في المهاجر والمنافي الإضطرارية يعرفون الإجابة، فأما الذين لايجدون إجابة فلا إجابة لنا عليهم إلا الرد بأشهر نص شعري منسوب للشاعر أبي العتاهية أو الصاحب بن عباد، جاء فيه:

لا يعرف الشوق إلا من يكابده

ولا الصبابة إلا من يعانيها

لا يسهر الليل إلا من به ألم

ولا تحرق النار إلا على رجل واطيها

*وكل نازح ولاجئ نجده كما قال شاعرنا الكبير الراحل صلاح أحمد إبراهيم في اغنيته الكبيرة (الطير المهاجر)التي خرجت للناس بدفقات إحساس الفنان الكبير الراحل محمد وردي:

غريب وحيد في غربتو

حيران يكفكف دمعتو

حزنان يغالب لوعتو

ويتمنى بس لي أوبتو

طال بيهو الحنين

فاض بيهو الشجن.