
إدارة الشأن الإقتصادي..غياب الرؤية الموحدة
قبل المغيب
عبدالملك النعيم أحمد
*تابعت كغيري من المهتمين خلال الأسابيع الماضية ما حدث للعملة الوطنية من إنهيار وتدهور مقابل العملات الأجنبية الأخري والتي قارب فيها سعر الدولار ال 5 ألف جنيه والجنية المصري أكثر من 90 جنيها مما شكل إرهاقا لمن يتقاضون مرتباتهم بالعملة الوطنية داخل السودان ولهم اسر تعيش بسبب الحرب واللجوء خارج السودان فضلا عن إرتفاع اسعار جميع السلع الاستراتيجية داخل البلاد للدرجة التي كثر فيها العرض وضعفت فيها القوة الشرائية.
*وبالمقابل ايضاً تابعت النشاط الحكومي الرسمي لمعالجة الشأن الإقتصادي عموماً وإيقاف تدهور العملة الوطنية على وجه الخصوص ومحاربة السوق الموازي الذي تسبب في كثير من الأضرار التي لحقت بالإقتصاد وأرهقت المواطن بارتفاع الأسعار وقد تركز الحديث والمعالجة في موضوع استيراد المحروقات لما لها من تأثير على الزراعة والموسم الصيفي للزراعة قد بدأ بالفعل دون أن يشهد الاستعداد المطلوب وتوفير مدخلات الزراعة وتحضير الأراضي الزراعية في وقتها المطلوب وهذا موضوع آخر سبق أن كتبنا فيه.
*إن أولى الملاحظات هي أن هناك ثلاث جهات حكومية عقدت اجتماعات واتخذت جملة من الترتيبات والقرارات بشأن استيراد المحروقات تفتقد للقدر المطلوب من التنسيق حتى تتم المعالجة وادارة الشأن الاقتصادي بما يحقق الهدف وهو توفير السلعة وكبح جماح ارتفاع الأسعار وايقاف تدهور العملة الوطنية.
*فقد عقدت لجنة تم تكوينها برئاسة الفريق ابراهيم جابر عدة اجتماعات وضمت في عضويتها بعض وزراء القطاع الاقتصادي واصدرت من القرارات مارأته مناسباُ ثم عقد مجلس الوزراء اجتماعا لنفس الغرض وخرج بتوجيهات محددة وجاءت ادارة بنك السودان هي الأخرى لتصدر قراراً آخرا نرى في تعارضاً مع القرارات التي صدرت عن مجلس الوزراء.
*لكي نكون أكثر دقة في تحديد مواطن الخلل وتوضيح التضارب في القرارات الحكومية نشير إلى اول قرار وهو تبني الحكومة عبر شركاتها استيراد المحروقات عبر ذراعها الفني وهو وزارة الطاقة بما يعني ايقاف مجموعة الشركات التي كانت تستورد المحروقات بموافقة الحكومة نفسها ومن القرار الجديد يتضح ان للحكومة مآخذ كثيرة وملاحظات علي تجربة مجموعة الشركات وربما انهيار العملة بسبب تدافع هذه الشركات لشراء الدولار من السوق الموازي كان واحدا من الاسباب اضافة إلى عجز بعض هذه الشركات عن توفير المحروقات بالكمية الكافية وفي الوقت المناسب وربما لاسباب اخرى اضافية لم تذكرها الحكومة فجاء قرار احتكار الشركات الحكومية لاستيراد هذه السلعة ورغم التحفظ علي مثل هذا النوع من القرارات التي تحرم القطاع الخاص عن القيام بدوره الوطني الا انها تجربة لم يحن وقت الحكم على نجاحها من فشلها.
*ولكن التضارب والتعارض الأهم في قرارات الحكومة نفسها وفي الموضوع نفسه هو ما صدر عن بنك السودان بفتح الفرصة للشركات بايداع ما لديها من ذهب تم تحديد كميته كضمان لاستيراد المحروقات بما يعني فتح الفرصة من جديد للشركات غير الحكومية صاحبة المقدرة المالية من مخزون الذهب بالاستيراد تحت إشراف بنك السودان مما يشير إلى غياب الرؤية الموحدة لدى الحكومة في موضوع المحروقات ويؤكد تعدد مصادر اتخاذ القرار في جهاز الدولة.. ألم يكن بنك السودان جزءا من الجهاز التنفيذي وبالتالي عليه الالتزام بما صدر من قرارات وحصر الاستيراد على الشركات الحكومية؟..فلماذا اذن هذا التعدد في مراكز اتخاذ القرار؟.
*ان كان من امر أخير فهو ضرورة ايلاء الأمر لوزارة الطاقة لتحديد المواصفات والمتابعة مع الشركات الحكومية وذلك بغرض تحديد المسؤولية وسهولة المحاسبة للوزارة المعنية في حال حدوث اي تقصير من الشركات الحكومية نفسها فهي غير مبرئة من الخطأ…اما موضوع الشركات التي فتح لها البنك المركزي الفرصة فهذا ما نحتاج ان نسمع فيه ما يفيد ويزيل اللبس الذي يشير إلى تضارب الرؤى في الجهاز التنفيذي للدولة.