
مرتبات المعلمين وقرارات مجلس الوزراء
قبل المغيب
عبدالملك النعيم أحمد
*لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تحدثت فيها هذه الزواية عن المعلمين ليس فقط من حيث الظلم الواقع عليهم في المرتبات والإستحقاقات الأخرى وهذا موضوع مهم وضروري وأساسي في ظل الظروف الإقتصادية التي تعيشها البلاد ويدفع ثمنها المواطن السوداني ولكن أيضا تناولت الزاوية بيئة العمل الملائمة في المدارس والمكاتب للمعلمين المنثشرين في كل السودان وترقياتهم غير المجزية حتى إن تمت في مواعيدها فضلا عن حمايتهم من بعض أولياء الأمور المتفلتين من الذين يقتحمون المدارس بسلاحهم لأخذ حق أبنائهم بالقوة ممن يعتقدوا أنهم ظلموهم من بعض المعلمين كما حدث مؤخراً في إحدى مدارس محلية كرري.
*عندما كتب الشاعر قصيدته المشهورة (قم للمعلم وفه التبجيلا…كاد المعلم أن يكون رسولا).فإستخدمه لحرف المقاربة (كاد) في اللغة العربية ليس عبثاً لأن المعلم هو فعلاً رسولاً للإنسانية وهو من تسلمه الأسر اطفالها صغاراً وزغب الحواصل وهي على درجة عالية من الطمأنينة والثقة بأن المعلم سيشكلهم حيث يشاء بأخلاق ومسؤولية ذاتية ومهنية فهي مرحلة ممتدة حتى إلى ما قبل الجامعة ليقوم بعد أساتذة الجامعات بدورهم في إكمال التأهيل وصقل الشخصية ومعرفة مواطن الإبداع والتميز وتنميتها وتطويرها وهم الآخرون ليس بأفضل حالاً في الحقوق من المعلمين في مراحل التعليم العام.
*نتحدث عن المعلمين وبكل فخر وهم ينجزون ثلاث دورات امتحانات للشهادة الثانوية في دفعات 23/24/و25 التي من المتوقع ان تعلن نتيجتها قريباً…فمن هو صاحب الإنجاز الحقيقي الذي يتباهي به وزير التربية الوطنية والتعليم إن لم يكن المعلم نفسه؟.. حاضراً جثمانياً وذهنياً في ظروف بالغة السوء تاركاً وراءه أسرة وزوجة واطفال وأمهات وآباء في سبيل الوطن والمهنة والرسالة التي يحملها..ألم يستحق هذا المعلم التكريم الذي يليق به من أعلى قمة في الدولة دع عنك أن يظل يطارد الدولة في تنفيذ قرارات اتخذها أعلى جهاز تنفيذي وهو رئيس مجلس الوزراء وظلت تقبع في أدراج المسؤولين عن تنفيذها وهم متأكدون من أنهم آمنين من العقاب…وتلك قصة أخرى.
*ليس من نافلة القول أن نؤكد أن المعلم هو من صنع الضابط النظامي والطبيب والمهندس والزراعي والبيطري والمعلم نفسه لتعاقب الأجيال وصنع من يديرون مؤسسات الدولة من وزراء ومديري هيئات وبنوك بما في ذلك محافظ البنك المركزي الذي ذهل الجميع بالمرتب والمخصصات التي تتقاضاها مقابل ما يتقاضاه المعلم والاستاذ الجامعي من فتات…لا نتحدث عن عدم إستحاق بقدر ما نتحدث عن عدالة طالما المخدم واحد وهو الحكومة.. والمال هو مال عام تحت اشراف جهة واحدة..فإن كان محافظ بنك السودان مسؤولاً بحكم الوظيفة عن السياسات المالية والنقدية وسعر الصرف وتوفير العملات الحرة وغيرها بل وعن إقتصاد البلد المنهار والجنية الذي فقد قيمته تماما.. فالمعلم أيضاً مسؤولاً عما هو أهم من ذلك في تربية النشئ وصناعة العقول…ألم تكن هذه الأمانة التي ناءت بحملها السموات والأرض وحملها المعلم جديرة وكافية بأن تؤهله أن ينال حقوقة كاملة ليس إستجداءاً ولا تفضلاً من أحد إنما حقوقاً واجبة السداد مقابل واجبات أداها بتميز وفي وقتها؟.
*ظللنا نتابع في نشرات التلفزيون اسبوعياً إعلانات نتائج تلاميذ في مرحلتي الأساس والثانوي في ظل هذه الظروف العصيبة فمن يقف وراء هذا الانجاز والجهد إن لم يكن المعلم المظلوم والمغلوب على أمره؟ .. لماذا تصمت الحكومة عن حقوقه؟ ولماذا هذا التسويف والتراخي في تنفيذ قرارات مجلس الوزراء الخاصة باستحقاقات المعلمين والتي بلغت (6) قرارات خلال العامين 1925م 1926م والتي شملت زيادة المراتب وآجازة هيكل جديد وفروقات سنوات الحرب رغم ضعفها والسوق يبتلع المواطن نفسه وليس المرتب فقط وهاهو والي الخرطوم يشكل لجنة لمحاصرة إرتفاع سعر الخبز بعد ارتفاع سعر اسطوانة الغاز والسلع الأخرى.
*إن تجاهل تنفيذ قرارات رئيس مجلس الوزراء في موضوعات كثيرة من بينها مرتبات المعلمين وأساتذة الجامعات تفتح الباب واسعاً أمام جدوى هذه القرارات من جانب وقوة الحكومة وهيبتها من الجانب الآخر.. هل هي قرارت سياسية غير مدروسة وغير متفق عليها تصدر فقط للترضية وتسكين الألم وتطييب الخواطر لفئات هامة في المجتمع كالمعلمين؟ أم أنه لا توجد آليات لتنفيذها في وقتها؟ أم أن بعض الوزراء الذين يديرون شؤون المواطنين لديهم من النفوذ ما يمكن عبره تعطيل قرارات رئيس مجلس الوزراء نفسه وهم مطمئنون أنهم لن تنالهم المساءلة او العقاب لا بالإعفاء ولا بغيره…والرسالة هنا موجهة لرئيس مجلس الوزراء دكتور كامل إدريس بأن يحدد أين الخلل في إصدار قراراته ولماذا لا يتم تنفيذ معظمها ومن ثم يعالجها لكي لا تفقد حكومته ثقة المواطن فيها بأكثر مما فقدت خلال فترة رئاسته لها.
*تجتهد النقابات التي فقدت بريقها وأصبحت لا تجد من يسمعها في المقاومة واعلان الاضراب كإحدى وسائل الضغط لتنفيذ هذه المطالب المشروعة ولكن لأنهم يتعاملون مع مستقبل أجيال كثيراً ما يتراجعون لأن الجانب الإنساني والوطني لديهم مقدماً على ما سواه من كسب مادي… فلا يجب أن تستغل الحكومة هذه الوطنية وتلك الإنسانية في المعلم والأستاذ الجامعي وتتماهي في الظلم بأكثر مما فعلت ومازالت.
*من يصدق أن راتب معلم في الدرجة القيادية العليا التانية او الثالثة لا يتجاوز المائتي ألف جنيه؟ وفي ظل هذه الظروف؟ ما لكم كيف تحكمون؟
*ختاماً نؤكد أن الدول لا تنهض وترتقي إلا بالعلم والبحث العلمي وهما من صميم عمل المعلمين وأساتذة الجامعات…فأين هم من كل ذلك؟ واين وضعهم في الدولة؟..كما ان الأمم لا تتطور ولا تنمو إلا بسيادة حكم القانون وتحقيق العدالة الإجتماعية وإعطاء كل ذي حق حقه.. فأين بلادنا وحكومتها من ذلك؟..ليت قادتنا يستبينون النصح قبل ضحي الغد.