آخر الأخبار

وطنٌ بأكثرَ من باب

 

لمياء موسى

*إنَّ الحروب الداخلية، بما تخلِّفه من ويلاتٍ جسيمة وآثارٍ مدمرة، تُعدُّ من أخطر الأزمات التي قد تواجه الدول؛ لما تجرّه من مآسٍ إنسانية واقتصادية واجتماعية وسياسية تمتد آثارها إلى الداخل والخارج، ولا تقف عند حدود النزاع المسلح، بل تتجاوزها إلى تفكيك البنية المؤسسية للدولة، وإضعاف قدرتها على أداء وظائفها الأساسية. فهي لا تدمر العمران والاقتصاد فحسب، وإنما تمس جوهر الدولة ذاتها بوصفها كيانًا قانونيًا موحدًا، وتعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع على نحو بالغ التعقيد.

*وفي السياق السوداني، لم يعد النزاع مقتصرًا على المواجهات العسكرية التقليدية، بل اتخذ، في مساره المتصاعد، أبعادًا مؤسسية وإدارية أكثر تعقيدًا، مع بروز هياكل حكم موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، ضمن ما عُرف بـ(حكومة التأسيس).. وقد شمل ذلك إنشاء مجلس رئاسي، ومجلس للوزراء، وأجهزة تنفيذية متعددة، إلى جانب إدارة الشأن العام المحلي، بما في ذلك تقديم الخدمات المدنية والإدارية، وصرف بعض المستحقات، وتنظيم عدد من المرافق داخل نطاق السيطرة الميدانية.. عند هذه المرحلة، لا يعود الصراع مجرد مواجهة عسكرية على الأرض، بل يتحول إلى اختبارٍ بالغ الصعوبة لوحدة الدولة وسيادتها، ويغدو تهديدًا مباشرًا لسلامة بنيانها الدستوري، وقدرتها على بسط سلطتها الشرعية على كامل إقليمها.

*وامتد هذا الانقسام إلى المجال المالي والنقدي، الذي يُعد من أبرز مظاهر السيادة العامة حساسيةً.. إذ أصدرت الحكومة السودانية أوراقًا نقدية جديدة من فئات مختلفة، في إطار محاولاتها لإدارة السياسة النقدية في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.. في المقابل، أعلنت قوات الدعم السريع عدم الاعتراف بهذه الإصدارات في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وهو ما أدى إلى تراجع تداولها هناك، وظهور ترتيبات نقدية بديلة، سواء من حيث آليات الدفع أو إدارة السيولة. وترافق ذلك مع توجيه اتهامات متبادلة بين الطرفين باستخدام أدوات السياسة النقدية كوسيلة ضغط، الأمر الذي أضفى على الصراع بُعدًا اقتصاديًا مباشرًا انعكس على حياة المدنيين، وأربك المعاملات اليومية واستقرار الأسواق.

*وفي موازاة ذلك، شهد الاقتصاد السوداني تراجعًا حادًا في قيمة العملة الوطنية، إذ فقد الجنيه السوداني جانبًا كبيرًا من قيمته أمام العملات الأجنبية، في ظل اضطرابات مالية عميقة، وتراجع ملحوظ في الثقة بالنظام الاقتصادي.

وقد أفضت هذه التطورات، بحسب عدد من الخبراء والمصرفيين، إلى أن تداول أوراق نقدية خارج المنظومة الرسمية يحدّ من قدرة البنك المركزي على تكوين صورة دقيقة عن حجم الكتلة النقدية المتداولة، ويعقّد عملية تصميم وتنفيذ السياسة النقدية، ويؤثر في دقة المؤشرات الاقتصادية وكفاءتها، ويضعف قدرة المؤسسات المالية على تطبيق سياسات نقدية موحدة في مختلف أنحاء السودان.

*ومع دخول الحرب عامها الرابع، وتحوّلها تدريجيًا إلى حرب استنزاف، برزت مؤشرات إضافية على تعمق الانقسام المؤسسي، مع إعلان قائد قوات الدعم السريع تشكيل مجلس للأمن والدفاع، بالتوازي مع استكمال عدد من مؤسسات الحكم والإدارة في المناطق الخاضعة لسيطرته، بما يعكس تحولًا في طبيعة السلطة على الأرض، وتعدد مراكز القرار داخل الإقليم الواحد.

*إزاء هذه المستجدات، أكدت جهات دولية وإقليمية، في مقدمتها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، رفضها قيام أي كيانات أو سلطات حكم موازية في السودان، مشددةً على تمسكها بوحدة السودان وسلامة أراضيه، واستمرار تعاملها مع الحكومة السودانية بوصفها الممثل الرسمي للدولة.

*ومن الناحية القانونية، تُعيد هذه التطورات إلى الواجهة أحد أبرز الإشكاليات الكلاسيكية في القانون الدولي العام، والمتعلقة بالعلاقة بين السلطة الفعلية والشرعية القانونية. فالقانون الدولي، وإن كان يُقرّ بالوقائع المادية الناشئة عن السيطرة الفعلية على الإقليم

(de facto control)

، فإنه لا يُضفي على هذه السيطرة، بمجرد تحققها، صفة الشرعية القانونية (de jure legitimacy)

ذلك أن التمييز يظل قائمًا بين سلطة تفرض وجودها بحكم الواقع، وسلطة تستمد مشروعيتها من الأساس الدستوري ومن قواعد الاعتراف المعتمدة في النظام القانوني الدولي، وهو تمييز يعكس حرص القانون الدولي على عدم الخلط بين القوة بوصفها أمرًا واقعًا، والشرعية بوصفها أساسًا قانونيًا لممارسة السلطة.

*وانطلاقًا من هذا المبدأ، تُعدّ سيادة الدولة أساس النظام القانوني الدولي، وتعني انفرادها بممارسة سلطتها العليا على إقليمها وسكانها، واستقلالها في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية دون سلطة منافسة أو تدخل خارجي. وتتجسد في احتكارها الوظائف السيادية، بما يصون وحدة السلطة، واستقرار النظام القانوني، وتماسك مؤسسات الدولة.

*ومن ثم، فإن بسط السيطرة العسكرية أو الفعلية على جزء من الإقليم، مهما اتسع نطاقه أو طال أمده، لا يُنشئ بذاته مركزًا قانونيًا يرقى إلى مرتبة الحكومة الشرعية، ولا يترتب عليه، بحكم القانون، اكتساب الاعتراف الدولي أو حلول تلك السلطة محل الدولة في ممارسة وظائفها السيادية.

*وقد كرّست محكمة العدل الدولية هذا التمييز في رأيها الاستشاري بشأن إعلان استقلال كوسوفو لعام 2010، إذ انتهت إلى أن إعلان الاستقلال، في حد ذاته، لا يُعد مخالفًا للقانون الدولي العام، غير أنه لا يترتب عليه تلقائيًا نشوء كيان يتمتع بالشخصية القانونية الدولية أو بصفة الدولة الكاملة.

*ويتسق هذا الاتجاه مع مبادئ اتفاقية مونتيفيديو، التي تُبرز أن الشخصية القانونية الدولية للدولة تُبنى على معايير محددة، ولا تُختزل في مسألة الاعتراف السياسي وحدها.

*وبالاستناد إلى هذه المبادئ، فإن إنشاء مؤسسات موازية تضطلع بممارسة وظائف سيادية في السودان يظل في نطاق الوقائع السياسية والإدارية التي قد تفرضها ظروف النزاع المسلح، دون أن يرتقي بذاته إلى مرتبة الشرعية القانونية الدولية.

*وإذا كانت هذه هي المكانة القانونية لمثل هذه الكيانات، فإن الحقيقة أن آثارها العملية على بنية الدولة قد تكون بالغة الخطورة. فإن استمرار تعدد المنظومات الإدارية والمالية يُنذر بتعميق الانقسام المؤسسي، وإضعاف وحدة السوق الوطنية، وإرباك الأفراد والمتعاملين مع السلطات المختلفة، فضلًا عن تقويض قدرة الدولة على إدارة وظائفها السيادية بصورة موحدة ومتجانسة.. كما قد ينعكس هذا الواقع سلبًا على فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، إذا ما أدى ترسخ تلك الكيانات إلى نشوء مراكز سلطة متوازية يصعب دمجها لاحقًا ضمن مؤسسات دولة واحدة، بما يهدد وحدة الدولة، ويُطيل أمد حالة الانقسام وعدم الاستقرار.

*وانطلاقًا من ذلك، قد يواجه أي كيان نقدي موازٍ تحدياتٍ في الحصول على الاعتراف والتعامل داخل النظام المالي الدولي، بالنظر إلى ارتباط شرعية البنوك المركزية، في الغالب، بالاعتراف بالحكومة التي تمثل الدولة في علاقاتها الخارجية. كما أن استمرار تعدد المنظومات المالية والنقدية قد يدفع المواطنين إلى الاعتماد بصورة متزايدة على وسائل دفع وشبكات تحويل مالية منفصلة، بما قد يؤدي إلى تعقيد المعاملات الاقتصادية، وإضعاف وحدة السوق الوطنية.

*ومن ثم، فإن خطورة هذه التطورات لا تكمن في آثارها الاقتصادية المباشرة فحسب، بل فيما قد تفضي إليه من إعادة تشكيل تدريجية لبنية السلطة والإدارة داخل الدولة.

*وفي ضوء ما تقدم، فإن مواجهة مخاطر الانقسام المؤسسي، والحفاظ على وحدة الدولة السودانية، لا تقتصر مسؤوليتها على الأطراف الوطنية وحدها، بل تمتد لتشمل المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية، كلٌّ في إطار اختصاصه، بحيث يقع على عاتق الأمم المتحدة، بوصفها معنية بحفظ السلم والأمن الدولي، والاتحاد الأفريقي، في إطار مسؤولياته المتعلقة بحماية الاستقرار الإقليمي، دعم الحلول السلمية للنزاعات، ودعم مسار سياسي شامل يحافظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، انسجامًا مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما مبدأ التسوية السلمية للمنازعات، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. كما تقتضي هذه المسؤولية الإسهام في تهيئة الظروف الملائمة لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية جامعة، بما يعزز وحدة السلطة العامة.

*وفي الختام، يتضح أن الإشكالية التي يطرحها الواقع السوداني لا تقتصر على مجرد نشوء مؤسسات موازية في ظرف استثنائي، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة الحديثة وحدود سيادتها في ظل النزاعات الداخلية. فالدولة لا تُقاس فقط بحدودها الجغرافية أو بقدرتها العسكرية، وإنما بمدى احتفاظها بوحدة مؤسساتها، وتماسك نظامها القانوني، وقدرتها على ممارسة سلطتها بصورة موحدة وفعالة. ومن ثم، فإن مستقبل السودان سيظل مرهونًا بمدى نجاح عملية سياسية شاملة تعيد توحيد مؤسسات الدولة، وتؤسس لشرعية جامعة تستند إلى القانون.

*وفي ظل ما أُشير إليه سابقًا، لا يبدو أن مستقبل السودان سيُحسم في ساحات القتال وحدها، بل في مدى قدرة السودانيين على التوافق حول مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أسس الشرعية وسيادة القانون ووحدة المؤسسات. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح السودانيون في صون وحدة وطنهم وإعادة بناء دولتهم الواحدة، أم أن الوقائع التي أفرزتها الحرب ستكرّس انقسامًا قد يمتد أثره إلى مستقبل الأجيال القادمة؟