
السودان ومضيق هرمز.. اتساع دائرة المعاناة والجوع
عمرو خان
*في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بتداعيات أزمة إغلاق مضيق هرمز وتأثيراتها على أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية، يبرز السودان كواحد من أكثر البلدان عرضة لتلقي تداعيات هذه الأزمة، رغم أنه بعيد جغرافيًا عن منطقة الخليج.. فبلد يعيش بالفعل واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم يجد نفسه أمام ضغوط جديدة قد تزيد من معاناة ملايين المدنيين الذين أنهكتهم الحرب وتراجع الخدمات الأساسية وانهيار الاقتصاد.
*فالحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023 لم تترك قطاعًا إلا وأثرت عليه، بداية من الأمن والغذاء، مرورًا بالصحة والتعليم، وصولًا إلى قدرة الدولة على توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين.. ومع دخول عام 2026، تتزايد المخاوف من أن تؤدي الأزمات العالمية المتلاحقة إلى تعميق مأساة السودانيين، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع القدرة على تمويل العمليات الإنسانية.
*أزمة عالمية تضغط على واقع سوداني هش: يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية. وأي اضطراب في حركة الملاحة به ينعكس سريعًا على أسعار النفط والوقود وتكاليف النقل، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة على الدول التي تعتمد على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الأساسية.
*بالنسبة للسودان، فإن ارتفاع أسعار الوقود لا يعني فقط زيادة تكلفة تشغيل المركبات أو النقل، لكنه ينعكس على أسعار الغذاء والدواء وجميع السلع الأساسية.. فارتفاع تكلفة نقل البضائع بين المناطق المختلفة يزيد من صعوبة وصول الاحتياجات إلى المواطنين، خاصة في المناطق التي تعاني من الحصار أو القتال.
*كما أن أزمة الوقود تؤثر على القطاع الزراعي، حيث يعتمد المزارعون على الوقود في تشغيل المعدات الزراعية ونقل المحاصيل، إضافة إلى أهمية الأسمدة في دعم الإنتاج الزراعي.. ومع أي ارتفاع في أسعار الأسمدة أو نقص في الإمدادات، تزداد المخاوف من تراجع الإنتاج المحلي واتساع فجوة الغذاء.
*أرقام تكشف حجم الكارثة الإنسانية: يواجه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تشير التقديرات إلى أن ملايين السودانيين يعيشون تحت ضغط الجوع وانعدام الأمن الغذائي.. خلال عام 2026، يواجه نحو 19.5 مليون شخص خطر انعدام الأمن الغذائي، بينما يواجه حوالي 5 ملايين شخص خطر الجوع، في الوقت الذي يواجه فيه أكثر من 100 ألف شخص شبح المجاعة في ظل صعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى العديد من المناطق المتضررة.
*ولا تتوقف المعاناة عند حدود الغذاء، فالأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا من الأزمة، إذ يواجه نحو 825 ألف طفل خطر سوء التغذية، ما يهدد مستقبل جيل كامل في بلد مزقته الحرب وأثرت عليه الأزمات الاقتصادية والإنسانية المتراكمة.
*هذه الأرقام لا تعكس مجرد أزمة غذائية، لكنها تعكس انهيار منظومة الحياة اليومية لملايين السودانيين الذين فقد كثير منهم مصادر دخلهم، واضطروا إلى النزوح بعيدًا عن منازلهم بحثًا عن الأمان والغذاء.
*الأبيض.. مخاوف من تكرار مأساة الفاشر: في خضم هذه الأزمة، يثير التصعيد العسكري حول مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان مخاوف واسعة من تكرار السيناريو الذي شهدته مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور..
فالأبيض ليست مجرد مدينة عادية، بل تعد مركزًا استراتيجيًا يربط بين مناطق مختلفة في السودان، وتمثل نقطة مهمة في حركة التجارة والإمدادات. وأي حصار أو اضطراب أمني فيها قد يؤدي إلى عزل آلاف المدنيين وتعقيد وصول المساعدات الإنسانية.
*التجربة التي عاشتها الفاشر كشفت حجم الخطر الذي يواجه المدنيين عندما تتحول المدن إلى ساحات للقتال، حيث يؤدي الحصار وتعطل طرق الإمداد إلى نقص حاد في الغذاء والدواء، ويجعل السكان عالقين بين نيران المعارك وصعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية.. ولهذا فإن استمرار القتال في شمال كردفان يثير مخاوف من اتساع رقعة الأزمة الإنسانية، خاصة في ظل وجود ملايين النازحين الذين يعتمدون بشكل أساسي على المساعدات الدولية.
*تراجع التمويل.. أزمة داخل الأزمة: ولا تقتصر التحديات على الحرب وتأثيراتها المباشرة، إذ تواجه المنظمات الإنسانية نفسها أزمة تمويل تهدد قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.. الأمم المتحدة حذرت من انخفاض تمويل العمليات الإغاثية في وقت تتضاعف فيه الاحتياجات، وهو ما يعني أن ملايين السودانيين قد يجدون أنفسهم أمام خطر فقدان الدعم الذي يعتمدون عليه للبقاء.
*فالأزمة الإنسانية في السودان لم تعد مرتبطة فقط بالمعارك، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بقدرة المجتمع الدولي على توفير الموارد اللازمة لإنقاذ المدنيين ومنع تحول نقص الغذاء إلى مجاعة واسعة النطاق.
*السودان في قلب تداعيات عالمية: تكشف أزمة مضيق هرمز أن الأزمات العالمية مهما بدت بعيدة جغرافيًا يمكن أن تصل آثارها إلى أكثر المناطق هشاشة. فالسودان الذي يعاني بالفعل من حرب مدمرة، لا يملك مساحة كبيرة لتحمل صدمات جديدة في أسعار الطاقة والغذاء.. وبينما يبحث العالم عن حلول لأزماته السياسية والاقتصادية، يبقى ملايين السودانيين ينتظرون تحركًا دوليًا أكثر فاعلية يضع حماية المدنيين وإنقاذ الأرواح في مقدمة الأولويات.
*فالسودان اليوم لا يواجه أزمة واحدة، بل دوائر متشابكة من المعاناة: حرب، وجوع، ونزوح، وانهيار اقتصادي، وضغوط عالمية متزايدة. ومع استمرار هذه الظروف، فإن الوقت يصبح عاملًا حاسمًا، لأن كل تأخير في الاستجابة يعني مزيدًا من الألم لملايين البشر الذين يدفعون ثمن صراعات وأزمات أكبر من قدرتهم على الاحتمال.
*كاتب وصحفي مصري