التنمية المؤجلة… أولى الإجابات
وجه الحقيقة
إبراهيم شقلاوي
*في ظل المشهد السوداني المثقل بتداعيات الحرب، حيث تتركز الأنظار على الملفات السياسية والأمنية، تبدو بعض التحولات الاقتصادية المهمة التي تحمل ملامح دولة بدأت في التشكل .. ومن بين هذه المؤشرات يجيء مشروع مدينة الإنتاج الحيواني بولاية نهر النيل، الذي أعلنت عنه وزارة الثروة الحيوانية والسمكية، باعتباره محاولة للإجابة عن سؤال ظل مؤجلًا لعقود: كيف ينتقل السودان من امتلاك الموارد إلى صناعة التنمية؟.
*فقد أعلنت الوزارة الأحد البدء في تنفيذ أول مدينة إنتاج حيواني متكاملة في البلاد بمنطقة العبيدية بمحلية بربر، على مساحة تبلغ (23) ألف فدان، لتكون نواة لشبكة من المدن الإنتاجية التي تستهدف مختلف الولايات، فإن القراءة لهذا التطور تكشف عن دلالات سياسية وتنموية تتعلق بإعادة تعريف دور الدولة، من دولة منشغلة بإدارة الأزمات إلى دولة تسعى لبناء اقتصاد منتج قادر على خلق الاستقرار وصناعة المستقبل.
*لقد كانت إحدى أزمات السودان التاريخية أن موارده ظلت أكبر من قدرته على تحويلها إلى قيمة اقتصادية.. فالثروة الحيوانية رغم ضخامة حجمها، ظلت لسنوات رهينة التصدير التقليدي، دون بناء سلاسل إنتاج وتصنيع متكاملة تجعل منها قطاعًا صناعيًا يخلق فرص العمل ويزيد عائدات الدولة والمجتمع. ولذلك فإن أهمية هذا المشروع، تكمن في محاولة الانتقال من مفهوم (امتلاك الثروة) إلى (إدارة الثروة) ولعل هذا المشروع يمثل احدى أولى الإجابات العملية عن سؤال التنمية المؤجلة.
*فالدولة ، لا تُبنى بإعمار البنية التحتية وحدها، بل بإحياء اقتصادها الحقيقي. فالسلام المستدام تصنعه التنمية بقدر ما يصنعه التوافق، ويظل الاستثمار في الإنتاج الحيواني والزراعة أحد أهم مداخل التعافي، لما يوفره من فرص عمل، وتنشيط للإنتاج، وتعزيز للثقة بين المواطن والدولة.
*واللافت أن المشروع يُطرح كمدينة إنتاجية متكاملة تجمع بين الإنتاج والتصنيع والبحث العلمي والتقنيات الحديثة، وتشمل قطاعات الألبان واللحوم والأعلاف والجلود والطاقة والأسمدة، مع توظيف الذكاء الاصطناعي والزراعة الرقمية.. وإذا انتقلت هذه الرؤية إلى التنفيذ، فقد تمثل تحولًا من تصدير المواد الخام إلى اقتصاد إنتاجي يحقق قيمة مضافة.
*كما أن ارتباط المدن الإنتاجية بالجامعات يمثل جانبًا مهمًا في هذا التصور، لأنه يعيد طرح سؤال العلاقة بين المعرفة والتنمية.. فالسودان لا يعاني فقط من نقص الموارد، وإنما من ضعف تحويل المعرفة إلى حلول إنتاجية.. ولذلك فإن جعل الجامعات شريكًا في هذه المدن يمكن أن يعيد تعريف دورها باعتبارها مؤسسات تخدم المجتمع والاقتصاد، وليس مجرد مؤسسات أكاديمية منفصلة عن تحديات الواقع، وهموم المواطن.
*لكن تظل القيمة الحقيقية لأي مشروع تنموي لا تقاس بحجم المنشآت التي تُقام، وإنما بقدرته على تغيير حياة الناس. وهنا يصبح التحدي الأكبر هو كيفية إشراك ملايين المنتجين الصغار الذين يمثلون العمود الفقري للثروة الحيوانية في السودان. فنجاح المشروع يجب أن يقاس بعدد الأسر الريفية التي ستنتقل من الإنتاج التقليدي إلى الإنتاج الحديث، وعدد المربين الذين سيحصلون على الخدمات البيطرية والتدريب والأعلاف والأسواق.
*ومن زاوية الاقتصاد السياسي، فإن مشروع المدن الإنتاجية يحمل أيضًا فرصة لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للسودان. فالحرب كشفت مخاطر تركيز التنمية في مناطق محددة، وأكدت الحاجة إلى بناء اقتصاد موزع على الولايات، يستفيد من الخصائص النسبية لكل منطقة. فمدينة إنتاجية في نهر النيل، وأخرى في دارفور، وثالثة في كردفان أو الشرق، يمكن أن تشكل شبكة وطنية واعدة، تقلل التفاوت التنموي، وتربط السلام بالتنمية، وتجعل المواطن في مختلف الأقاليم شريكًا في مشروعات الدولة.
*كما أن الأمن الغذائي أصبح ركيزة من ركائز الأمن القومي، في ظل التحولات العالمية في سلاسل الإمداد. وبما يمتلكه السودان من موارد زراعية وحيوانية ومائية، فإنه مؤهل ليكون لاعبًا مؤثرًا في الأمن الغذائي العربي والإفريقي، شريطة الانتقال من تصدير المواد الخام إلى المصنعة.
*غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان المشروع، بل في تحويله إلى واقع. فقد أثبتت التجربة السودانية أن المبادرات الكبرى تتعثر حين يغيب التمويل المستدام والحوكمة الرشيدة والإدارة الفاعلة. لذلك فإن نجاح هذه الرؤية مرهون بإرادة سياسية ثابتة، وشراكات قوية، ومؤسسات قادرة على ضمان الاستمرارية. فالسودان لا يحتاج إلى أفكار طموحة فحسب، بل إلى دولة منتجة تجعل التنمية ركيزة للاستقرار السياسي والاجتماعي.
*لذلك، يري وجه الحقيقة أن مشروع مدينة الإنتاج الحيواني ليس مشروع قطاعي، بل نموذج عملي لاختبار قدرة بلادنا على تحويل الموارد إلى تنمية مستدامة.. غير أن نجاحه يتطلب حاضنة وطنية تضم الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، إلى جانب إعلام تنموي فاعل يجعل المشروع قضية وطنية، يشرح أهدافه، ويراقب مساره، ويعزز الثقة فيه.. فإذا نجح النموذج في ولاية نهر النيل، فسيغدو قابلًا للتوسع في بقية الولايات، ليكون بداية مسار وطني يربط بين التنمية وإعادة بناء الدولة.