آخر الأخبار

من خطاب الرئيس البرهان إلى خارطة الطريق.. هل يتحول الوعد بالحوار إلى مشروع لإنقاذ السودان؟ (3-5)

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*توقفنا في المقال السابق عند السؤال الأهم بعد خطاب الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، في الذكرى الثانية والسبعين لعيد الجيش: *هل يستطيع أن يحوّل ما قاله إلى خارطة طريق تقود فعلاً إلى الحوار المنشود؟.. فالإعلان عن الحوار ليس هو الحوار، والخطاب السياسي لا يصبح مشروعاً وطنياً إلا حين يتحول إلى إجراءات وضمانات ومواعيد وآليات واضحة.

*وقد حمل خطاب البرهان إشارات مهمة؛ فقد تحدث عن حوار مع القوى الوطنية، وأكد أن الدولة لن تكون الجهة المنظمة للحوار ولا المحددة لأجندته ومخرجاته، ودعا إلى فضاء عام مفتوح للنقد والتأييد، كما أعلن وقف الإجراءات القانونية في مواجهة المشاركين خلال مشاركتهم في الحوار. وهذه النقاط يمكن أن تشكل مدخلاً حقيقياً إذا تحولت من عبارات إلى قواعد ملزمة.

*لكن خارطة الطريق تبدأ أولاً بضمان استقلال الحوار.. فإذا كانت الدولة ليست المنظمة، فمن ينظمه؟ ومن يختار المشاركين؟ ومن يحدد الأجندة؟ ومن يراقب تنفيذ المخرجات؟ لذلك ينبغي تشكيل لجنة تحضيرية مستقلة وواسعة التمثيل، مهمتها تهيئة الحوار ووضع قواعده، لا صناعة نتائجه مسبقاً

*ثانياً، يجب الاتفاق على قواعد المشاركة قبل القضايا السياسية.. الأصل هو المشاركة السلمية، مع خضوع من تثبت مسؤوليته عن جرائم للقضاء، لا للتصنيف السياسي. وبذلك نفرق بين المساءلة القانونية والإقصاء السياسي. أما المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وهما من أكثر الملفات إثارة للخلاف، فينبغي أن تحسم قضيتهما بقاعدة واضحة: *لا حصانة لأحد من القانون، ولا إقصاء بسبب الفكرة السياسية وحدها.

*ثالثاً، يجب أن يرتبط الحوار بوقف الحرب وحماية المدنيين.. فالحرب ليست خلفية للمشهد، بل أصل الأزمة. ولذلك ينبغي أن يسير المساران معاً: مسار لوقف القتال، ومسار سياسي يعالج أسباب الحرب. وفي مقدمة ذلك قضية السلاح؛ فلا دولة مستقرة مع تعدد الجيوش ومراكز القوة المسلحة. والحوار الجاد يجب أن يقود إلى جيش وطني مهني واحد، وفق ترتيبات قانونية وأمنية متدرجة.

*وهنا يجب الاستماع إلى مخاوف المعارضين.. فقد عبّر بابكر فيصل عن رفضه لصيغة الحوار المطروحة خشية أن تمنح المؤسسة العسكرية شرعية للاستمرار في الحكم، بينما ظل خالد عمر يوسف «خالد سلك» أكثر تشدداً تجاه مشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية. وهذه المواقف، مهما اختلفنا معها، ينبغي أن تدخل إلى الحوار لا أن تكون سبباً لإغلاقه. كما أن المعترضين مطالبون بتقديم بدائل عملية، لا الاكتفاء بالرفض.

*رابعاً، لا بد من الاتفاق على شكل المرحلة الانتقالية ومصير السلطة: مرحلة لإنهاء الحرب وتثبيت السلام، ثم انتقال محدد المهام، ثم دستور دائم، ثم انتخابات حرة ونزيهة.. فلا ينبغي أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى إقامة دائمة بلا نهاية.

*خامساً، يجب أن يكون الحوار سودانياً بحق. يمكن للخارج أن يساعد في التيسير والدعم الفني والإنساني، لكنه لا يقرر للسودانيين شكل دولتهم أو حكومتهم.. كما ينبغي ألا يبقى الحوار حوار نخب؛ فالشباب والنساء والمهنيون والعمال والمزارعون والنازحون والإدارات الأهلية والمجتمع المدني جميعهم أصحاب مصلحة مباشرة.

*سادساً، العدالة.. فلا سلام مستداماً بلا محاسبة، ولا ينبغي في الوقت نفسه استخدام العدالة لإغلاق باب التسوية. المطلوب قضاء مستقل يحاسب المسؤولين عن الجرائم، بالتوازي مع مسار سياسي ينهي الحرب.. وهنا تصبح الكرة في ملعب الجميع. الرئيس البرهان أمام فرصة لتحويل خطابه إلى مشروع وطني عبر ضمان استقلال الحوار وشفافية المشاركة وعدم التدخل في مخرجاته. والقوى المعارضة مطالبة بطرح بدائل قابلة للتفاوض.. أما الشعب، فعليه أن يراقب ويضغط من أجل حوار لا يعيد إنتاج الأزمة.

*إن خارطة الطريق يمكن أن تبدأ بإعلان المبادئ، ثم تشكيل اللجنة التحضيرية، وتحديد المشاركين، والاتفاق على الأجندة، ووقف إطلاق النار، ومعالجة قضية السلاح، والاتفاق على المرحلة الانتقالية، ثم الوصول إلى الانتخابات.. لقد قال الرئيس البرهان كلمته في عيد الجيش، والآن جاء دور الفعل.. فإذا تحولت الدعوة إلى إجراءات وضمانات ومواعيد، فقد تكون فرصة تاريخية.. أما إذا بقيت خطاباً، فسوف تنضم إلى مبادرات كثيرة بدأت بالكلمات وانتهت بالصمت.

*فالسودان لا يحتاج حواراً ينتصر فيه طرف على آخر، وإنما حواراً ينتصر فيه الوطن؛ حواراً تكون الدولة فيه هي المنتصر الوحيد، والشعب صاحب الكلمة الأخيرة، وصندوق الاقتراع هو الطريق الوحيد إلى السلطة.

وللحديث بقية بإذن الله تعالى