
مجلس التعاون السوداني السعودي..تطور نوعي في العلاقات
قبل المغيب
عبدالملك النعيم أحمد
*عندما نتحدث عن العلاقات بين السودان والمملكة العربية السعودية فإننا لا نتحدث عن علاقات حديثة العهد أو علاقات مصلحة مؤقتة فرضتها ظروف الحرب أو تطلبتها بعض المواقف الإقليمية والدولية والتي تستوجب التعاون ولكننا نتحدث عن علاقة ضاربة الجذور في تاريخ البلدين فهي قائمة وموجودة حتي قبل أن ينل السودان إستقلاله.
*فتاريخيا وجغرافياً يوجد رباط البحر الأحمر الوثيق حيث أن السودان والسعودية هي دول متشاطئة عليه فكل ما يرتبط بأمنه وإستقراره واستغلاله إقتصاديا يهم البلدان ويؤثر عليهما سلباً وإيجاباً فهذه منطقة مصالح مشتركة المحافظة عليها والتنسيق حول إدارة شأنها يظل من صميم المحافظة علي الأمن القومي للبلدين.
*سياسيا فقد كان التمثيل الدبلوماسي حاضراً مع فجر الاستقلال عام 1956م وشهد تطوراً واضحاً بالتوسع في العمل الهجري وإنشاء القنصلية في مدينة جدة والتي تمثل سفارة قائمة بذاتها لما تقوم به مهام.
*كان السودان تاريخياً محطة برية هامة ورئيسة لإلتقاء كل الحجاج من الدول العربية والإفريقية ويعتبر حينئذ من أهم الممرات للهجرة والحج بما جعل الرباط بين الدولتين قوياً ومثمراً
*زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين للخرطوم عام 1967م ومشاركته في أعمال مؤتمر قمة اللاءات الثلاث المشهور لدعم القضية الفلسطينية والذي شهد عقد الصلح بين الملك فيصل والزعيم جمال عبدالناصر بعد قطيعة أضرت كثيراً بعلاقات بلديهما وبالقضية الفلسطينية نفسها تلك المصالحة التي انطلقت من الخرطوم قد جنت ثمارها القضية العربية بانتصار حرب العبور في أكتوبر 1973م.
*ربما كان هذا نذراً يسيراً في مسيرة العلاقات السودانية السعودية ويتابع الجميع إهتمام المملكة بقضية السودان خلال هذه الحرب ووجودها الدائم في ملفات القضية إقليمياً ودولياً
*مناسبة حديث اليوم هو ذلك التطور النوعي في سماء العلاقات الثنائية بين السعودية والسودان بتأسيس واحدة من أهم الآليات لدعم وتقوية التعاون المشترك وتنفيذ ما يتم الإتفاق عليه بما يحقق المصالح المشتركة والتي تبني عليها العلاقات الدولية.
*فقد شهدت العاصمة السعودية الرياض هذا الأسبوع مراسم توقيع إتفاقية تأسيس المجلس الأعلي للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والمملكة العربية السعودية حيث وقع عن السودان السفير محي الدين سالم وزير الخارجية والتعاون الدولي فيما وقع وزير الخارجية السعودي دكتور فيصل بن فرحان عن الجانب السعودي بحضور عدد من الدبلوماسيين من الجانبين على رأسهم سفير السودان لدى المملكة دفع الله الحاج علي.
*فقد وضعت هذه الإتفاقية إطاراً مؤسسياً واضح المعالم يعتبر الأعلي والأكثر شمولاً لإدارة وتطوير العلاقات والتنسيق في (10) ملفات أساسية تشمل المجالات السياسية، الإقتصادية، التجارية، الإستثمارية، الدبلوماسية والأمنية فيما يخص الأمن المائي في منطقة البحر الأحمر والحفاظ علي المصالح المشتركة في منطقة ظلت تتصارع عليها قوي إقليمية ودولية متعددة خاصة بعد إطماع دولة الكيان الصهيوني وذراعها في المنطقة دولة الامارات العربية للأسف والتي سارت في ركاب دراهمها عدد من الدول الإفريقية المجاورة للسودان.
*تهدف هذه الإتفاقية بالإضافة للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين البلدين إلي توحيد الرؤى في القضايا الإقليمية والدولية ذات الإهتمام المشترك بتعزيز الشراكة الرسمية كما تهدف الى تسهيل تنفيذ المشاريع المشتركة لدعم التنمية والإستقرار ويعتبر هذا المجلس آلية أكثر فاعلية ومؤسسية للخروج من دائرة البطء والتراخي الذي كثيراً ما يصاحب تنفيذ الإتفاقيات وإنزالها لأرض الواقع في التوقيت المناسب وتحقيق الاهداف التي وقعت من أجلها.
*ختاماُ نقول أن تاسيس هذا المجلس وتوقيع اتفاقية تنفيذ برامجه جاءت في الوقت المطلوب الآن إذ أن التكتلات هي من أهم ادوات النجاح في ظل عالم يأخذ القانون بيده والسيادة فيه للأقويا ولا مكان لضعيف أو متراخً أو لمن يوكل أمره للآخرين أياً كانوا كما أن لغة المصالح المشتركة هي التي تبقي علي العلاقات قوية ومتماسكة لا لغة العواطف التي كثيراً ما تجرفها رياح السياسة والمصالح الي غير ما يريد اصحابها.