آخر الأخبار

لجنة تقليص العاملين… هل أصبحت معاناة السودانيين مشروعاً حكومياً؟ (2-2)

أصداء من الواقع… ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*للأسف، بدلاً من معالجة آثار ذلك الخراب وإعادة الاعتبار للكفاءة والخبرة والاستقرار المؤسسي، تأتي هذه القرارات لتفتح جرحاً جديداً في جسد الدولة المنهك أصلاً

*ومن هنا فإننا نقولها بوضوح: المطلوب الآن ليس المكابرة، بل الشجاعة السياسية والأخلاقية. والاعتذار للعاملين بدلاً من الإساءةَ لهم.

 

*على وزارة التنمية البشرية والعمل أن تتراجع فوراً عن هذه اللجنة، وأن توضح للرأي العام حقيقة أهدافها، وأن تعتذر عن الرسائل السلبية التي أحدثها القرار وسط العاملين وأسرهم.

*كما أن على السيد وزير المالية، والسيد رئيس مجلس الوزراء، أن يدركا أن البلاد لا تحتمل مغامرات إدارية مرتبكة في هذا التوقيت الحرج، وأن أي حديث عن تقليص العمالة  سيقود إلى مزيد من الاحتقان والفوضى وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة.

*ختامًا من المؤسف حقاً أن يقع وزير العمل، الذي ينتمي إلى حركة العدل والمساواة، في مثل هذه السقطة السياسية والإدارية.. فقد كان الناس يظنون أن الحركة، بما عُرف عنها من خطاب العدالة الاجتماعية والدفاع عن المهمشين، ستكون أكثر حساسية تجاه أوضاع العاملين والموظفين البسطاء الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية غير مسبوقة.

 

لكن يبدو أن الواقع الإداري أحياناً يبتلع الشعارات الكبيرة، ويضع الجميع أمام اختبار حقيقي بين الانحياز للناس أو الانحياز للدفاتر والأرقام.

*إن الدولة التي تريد النجاة لا تبدأ بإخافة موظفيها، بل تبدأ بإصلاح اقتصادها، ومحاربة الفساد، وإعادة تشغيل الإنتاج، وتحفيز الاستثمار، واستعادة الكفاءات الوطنية، وفتح أبواب العمل أمام الشباب، لا إغلاقها أمام من تبقى داخل الخدمة.

*إن التوقف عند واحدة من أخطر الظواهر التي نشأت بعد حرب أبريل 2023م، وهي ظاهرة اختطاف الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة بواسطة مجموعات محدودة احتكرت الأداء والسلطة والامتيازات تحت لافتة أطلقوا عليها شعار (العمل بمن حضر) هذا الشعار الذي رُفع في ظروف استثنائية كان يفترض أن يكون إجراءً مؤقتاً لتسيير العمل، لكنه تحول عملياً إلى أداة إقصاء واستحواذ واستفراد بالمؤسسات، وكأن آلاف العاملين الذين شردتهم الحرب أو حاصرتهم ظروف النزوح لم يعودوا جزءاً من الدولة ولا من الخدمة المدنية. وللأسف الشديد، فإن بعض المؤسسات تعاملت مع هذا الوضع باعتباره فرصة لإعادة تشكيل النفوذ الداخلي وتصفية الحسابات وإغلاق الأبواب أمام زملائهم العاملين، لا باعتباره ظرفاً وطنياً استثنائياً يحتاج إلى العدالة والاحتواء. ولدينا في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون نموذج صارخ لهذا الاختلال، والتي استهدفت من بين 11 هيئة حكومة بالتقليص..حيث (استأثرت مجموعات محددة بالمشهد الإداري والوظيفي)، بينما تُرك آلاف العاملين بين النزوح والتهميش والانتظار المرير، رغم أن كثيرين منهم ظلوا في أم درمان أو في ولايات السودان المختلفة يواجهون الموت والخطر والجوع ويتمسكون بخدمة وطنهم.. والأدهى من ذلك أن مجلس الوزراء نفسه الذي يتحدث اليوم عن تقليص العاملين هو ذات المجلس الذي أصدر ما سُمِّي بقرارات توفيق الأوضاع، وهي قرارات فتحت أبواباً واسعة للامتيازات والصرف والاستفادة لفئات محددة في بورتسودان وغيرها، تحت مبررات العودة والترتيبات والسكن والأثاث، بينما حُرم آخرون من أبسط حقوقهم الوظيفية والإنسانية. لقد(غرفت) مجموعات بعينها من المال العام تحت مظلة تلك القرارات، وبالخصم على ميزانيات هيئاتهم ومؤسساتهم ووزاراتهم في وقت كان فيه آلاف العاملين خارج دائرة الاهتمام، لا رواتب، لا استحقاقات، ولا حتى اعتراف بمعاناتهم.. بل لديهم حقوق كان ينبغي أن تصرف لهم ولكن هيهات لهم هيهات.. ومن هنا فإن الواجب الحقيقي على وزارة العمل لم يكن تشكيل لجان لتقليص الوظائف، بل مواجهة هذا العبث الإداري والمؤسسي، وفتح ملفات تحقيق واسعة وتشكيل لجان محاكم عمل لفك ذلك الاحتكار للمؤسسات والهيئات والوزارت، وإعادة الاعتبار للعاملين الذين أُبعدوا قسراً، وإنفاذ قرارات عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم، وإعادة بناء الخدمة المدنية على أساس العدالة لا(الشللية)، وعلى أساس الكفاءة لا القرب من مراكز النفوذ. أما أن تتحول القضية كلها إلى مشروع جديد لتقليص العاملين، بينما تُترك جذور الأزمة الحقيقية دون معالجة، فذلك ليس سوى فضيحة إدارية وسياسية تكشف حجم الخلل الذي تعيشه مؤسسات الدولة اليوم.