
الحوار المنشود … من طاولة الحوار إلى خارطة إنقاذ السودان (5-5)
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*في المقال الرابع من سلسلة (الحوار المنشود)، توقفنا عند السؤال الجوهري من يدير الحوار؟وناقشنا أهمية اللجنة العليا لإدارة الحوار، ومعايير اختيار رئيسها وأعضائها، وضرورة أن تكون مؤسسة وطنية مستقلة، قادرة على إدارة الاختلاف، والاستماع إلى الجميع، وتحويل الحوار من مجرد لقاءات سياسية إلى عملية وطنية منظمة.. وفي هذا السياق، طرح زميلنا المبدع الأستاذ حامد عثمان اسم البروفيسور علي محمد شمو لرئاسة اللجنة، وهو مقترح جدير بالنقاش والتقدير.. وانتهينا إلى أن القضية ليست في الأسماء وحدها، وإنما في المعايير والكفاءة والاستقلالية والقدرة على جمع السودانيين حول مشروع وطني.
*لكن بعد أن أجبنا عن سؤال من يدير الحوار؟ يبقى السؤال الأصعب: ماذا نريد من الحوار؟.. فالسودان لا يحتمل حواراً جديداً ينتهي بصورة جماعية، وبيان ختامي، ووثيقة تحفظ في الأدراج.. لقد شهدت البلاد مبادرات واتفاقات ومواثيق كثيرة، لكن المشكلة ظلت دائماً في الانتقال من النص إلى الفعل، ومن الاتفاق إلى التنفيذ.. لذلك، فإن الحوار المنشود ينبغي أن يبدأ من تعريف واضح للغاية للنتيجة التي نريد الوصول إليها.. نحن لا نبحث عن انتصار تيار على تيار، ولا عن تسوية مؤقتة بين قوى سياسية، وإنما عن عقد وطني جديد يعيد بناء الدولة على أساس المواطنة وسيادة القانون والمؤسسات، ويحفظ وحدة السودان ويؤسس لسلام مستدام.
*وأقترح هنا أن تكون للحوار وثيقة نهائية واحدة، مختصرة وواضحة*، لا تتجاوز القضايا الكبرى التي لا يمكن للسودان أن يبدأ مستقبله من دون حسمها: شكل الدولة، نظام الحكم، العلاقة بين المركز والأقاليم، بناء المؤسسات العدلية والتشريعية والتنفيذية، إصلاح الخدمة المدنية، الاقتصاد، السلام، القوات النظامية، الانتخابات، والعدالة الانتقالية، إلى جانب معالجة آثار الحرب وإعادة الإعمار وعودة النازحين واللاجئين..
لكن الأهم من الوثيقة هو (المصفوفة الوطنية للتنفيذ)؛ فكل توصية يجب أن يكون أمامها سؤال: من ينفذ؟ ومتى؟ وبأي موارد؟ وكيف نقيس النجاح؟
وهنا يمكن تقسيم المخرجات إلى ثلاث دوائر: قرارات عاجلة* تنفذ خلال مائة يوم، وإصلاحات متوسطة المدى خلال عام أو عامين، ومشروعات استراتيجية. تمتد لسنوات.. وبذلك يعرف المواطن ماذا تحقق، وماذا تأخر، ومن يتحمل مسؤولية التأخير.
*ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أن يخرج الحوار أيضاً بـ (وثيقة أولويات السودان العشر)؛ عشر قضايا فقط يتوافق عليها المتحاورون باعتبارها الحد الأدنى الذي لا يجوز أن تعطل الخلافات السياسية تنفيذها. فالدولة التي خرجت من حرب تحتاج إلى ترتيب أولوياتها قبل أن تتوسع في التفاصيل.. ولا بد أن يكون المواطن حاضراً في هذه العملية، لا مجرد متفرج عليها.. فالحوار الحقيقي يجب أن يصل إلى القرية والمعسكر والجامعة والمصنع والمزرعة والنقابة ومنظمات المجتمع المدني، وأن يسمع أصوات من دفعوا ثمن الحرب، لا أصوات النخب وحدها.. كما ينبغي أن يكون للإعلام دور مختلف؛ ليس إعلاماً يصفق للحوار أو يهاجمه، وإنما إعلام رقابي مهني يشرح للناس ما يدور، ويكشف نقاط الاتفاق والاختلاف، ويتابع تنفيذ المخرجات، ويمنح المواطن حق السؤال والمساءلة.. أما الشباب، فلا ينبغي أن يكون حضورهم رمزياً.. فالسودان الذي سيحكم مستقبله يجب أن يكون لهم نصيب حقيقي في صياغة مستقبله. وكذلك المرأة، والأقاليم، والمهنيون، والقطاع الخاص، والإدارات الأهلية، والجامعات، والمثقفون، وأصحاب التجارب والخبرات.
*إن الحوار الناجح ليس الذي ينتهي فيه الجميع إلى رأي واحد؛ فهذا غير ممكن. النجاح الحقيقي هو أن يتعلم المختلفون كيف يختلفون داخل دولة واحدة، وكيف يحتكمون إلى القانون، وكيف يجعلون المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والشخصية.. ومن هنا، فإن الحوار المنشود يجب ألا يكون محطة سياسية مؤقتة، وإنما بداية لمسار وطني طويل، تليه مرحلة انتقالية واضحة، ثم تأسيس مؤسسي، ثم انتخابات حرة ونزيهة، بحيث يكون صندوق الاقتراع هو الفيصل في المنافسة السياسية، لا السلاح ولا الشارع ولا الإقصاء.. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نبدأ الحوار بذهنية الماضي؛ كل طرف يبحث عن نصيبه من السلطة.. أما المطلوب فهو أن نبدأه بذهنية المستقبل: كيف نبني دولة يستطيع أبناؤنا أن يختلفوا فيها دون أن يقتتلوا؟..تلك هي الغاية الكبرى.
*وفي ختام هذه السلسلة، أقول إن (الحوار المنشود) ليس حواراً من أجل الحوار، وإنما حوار من أجل السودان.. بدأنا بالسؤال عن معنى الحوار، ثم شروطه، ثم انتقلنا إلى خطاب القيادة وما يمكن أن يفتحه من أبواب، ثم ناقشنا من يدير الحوار، واليوم نصل إلى السؤال الذي يحسم كل شيء: هل نملك الإرادة السياسية لتحويل الحوار إلى مشروع إنقاذ وطني؟..إذا امتلكنا الإرادة، وأحسنا اختيار من يدير الحوار، ووضعنا أجندة واضحة، واستمعنا إلى السودان كله، وربطنا المخرجات بآليات تنفيذ ومساءلة، فإن الحوار يمكن أن يصبح فرصة تاريخية لا عبئاً جديداً
*أما إذا عدنا إلى المحاصصة والإقصاء وتصفية الحسابات، فسوف نضيف اسماً جديداً إلى قائمة المبادرات التي بدأت كبيرة وانتهت صغيرة.. السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى
اتفاق على ما لا نختلف عليه: الوطن أولاً، الدولة للجميع، والقانون فوق الجميع، والسلام غايتنا، والديمقراطية وسيلتنا، والتنمية ثمرتنا.
*وهنا تنتهي سلسلة (الحوار المنشود)، لكن الحوار الحقيقي يجب أن يبدأ ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به لا نريد حواراً ينتهي بتوقيع وثيقة، بل حواراً يبدأ منه السودان كتابة فصل جديد من تاريخه.
والله من وراء القصد