
الحرب التي لا تُروى كاملة … الخرطوم بين خراب المليشيا وبسالة الجيش وذاكرة الطريق (1)
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*حين تنتهي الحرب من ميدانها لا تنتهي آثارها من ذاكرة الناس. وما شهدته الخرطوم منذ اندلاع حرب أبريل 2023م ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، وإنما مأساة وطنية هائلة تركت في المدينة وبيوتها ومصانعها ومزارعها ومستشفياتها وطرقها جرحًا عميقًا يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يلتئم.
*لقد عاشت الخرطوم واحدة من أقسى فصول تاريخها الحديث.. أحياء كاملة تبدلت ملامحها، ومنازل هُجرت، ومؤسسات تعرضت للنهب والتخريب، وتعطلت مرافق حيوية، فيما امتدت آثار الحرب إلى أم درمان وريفها، حيث تعرضت المزارع والمصانع والمنشآت الاقتصادية لعمليات نهب وقلع وتدمير أفقدت العاصمة جزءًا مهمًا من قدرتها الإنتاجية. ولم يكن الخراب في الحجر وحده؛ فقد أصاب الإنسان والأمن والاقتصاد والنسيج الاجتماعي.
*وفي قلب هذه المأساة وقفت القوات المسلحة السودانية، التي خاضت معركة شاقة لاستعادة العاصمة ودحر التمرد.. وقدمت القوات المسلحة والقوات المساندة لها تضحيات كبيرة من الشهداء والجرحى، وظلت تقاتل في ظروف بالغة التعقيد دفاعًا عن مؤسسات الدولة ووحدة البلاد.. ومهما اختلفت المواقف السياسية حول سنوات ما قبل الحرب، فإن قراءة أحداث الحرب ذاتها تستوجب التمييز بين الخلاف السياسي وبين الاعتداء على الدولة والمواطن والممتلكات العامة والخاصة.
*وما يؤلم أكثر أن الإعلام الوطني لم يمنح هذه المأساة، في كثير من مراحلها، المساحة التي تستحقها من التوثيق والتحقيق وكشف حجم الدمار. فالحرب الإعلامية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية؛ لأن العالم لا يرى ما لا يُوثَّق، والتاريخ قد يظلم الضحية إذا لم تُجمع شهاداتها وصورها ووثائقها في وقتها.. ولو جرى منذ الأيام الأولى توثيق ما حدث في الخرطوم وأم درمان، وإبراز حجم التخريب والنهب والاعتداءات، لكان ذلك أكثر قدرة على تشكيل وعي داخلي وخارجي بحقيقة ما جرى.
*وأنا أستعيد هذه المشاهد أتذكر عودتي مع أسرتي إلى السودان عبر طريق شريان الشمال.. كان الطريق نفسه أشبه بصفحة من كتاب مفتوح؛ يحكي عن السودان الذي ظل قائمًا رغم العواصف، وعن البنية التحتية والمشروعات التي ظلت آثارها شاهدة على مراحل سابقة من تاريخ البلاد.. وقد يدفعنا ذلك إلى إعادة قراءة الماضي بهدوء، بعيدًا عن الشعارات، والسؤال: ماذا خسر السودان عندما غابت السياسة الرشيدة، وتراجعت الدولة، وانفتح الباب أمام الفوضى والصراع؟.
*إن الخرطوم اليوم لا تحتاج إلى خطاب انتصار فقط، بل إلى مشروع عدالة وتوثيق وإعمار.. فمن حق الضحايا أن تُحفظ شهاداتهم، ومن حق الدولة أن توثق ما تعرضت له مؤسساتها، ومن حق الأجيال القادمة أن تعرف كيف تحولت العاصمة إلى ساحة حرب، وكيف استطاعت مؤسسات الدولة وقواتها أن تستعيد مواقعها تدريجيًا.. وتأتي المبادرات الوطنية في إعادة البناء لتقول إن الخرطوم لا تريد أن تبقى مدينة للخراب.. فقد أعلن رجل الأعمال هشام السوباط، ضمن مبادرة (إيدك معانا لي مشفانا)، التزامه بتأهيل قسم الأطفال بمستشفى إبراهيم مالك، وثلاثة طوابق بمعمل الصحة العامة (إستاك)، إلى جانب توفير مولدات وطاقة شمسية لحل مشكلة الكهرباء.
*وهكذا تتقاطع صورة الحرب مع صورة ما بعدها: خرابٌ يحتاج إلى توثيق، وتضحيات تحتاج إلى إنصاف، ومدينة تحتاج إلى إعمار.. وحتى التطورات الحدودية الأخيرة، ومنها إعلان تشاد رفع قواتها إلى حالة التأهب القصوى بعد تقارير عن ضربات جوية داخل أراضيها، تؤكد أن آثار الحرب السودانية لم تعد محصورة داخل الحدود.
*لقد دافعت القوات المسلحة عن مواقعها، لكن المعركة الأكبر الآن هي معركة استعادة السودان نفسه: إنسانًا، ومؤسسات، واقتصادًا، وذاكرة. فالخرطوم لا تحتاج فقط إلى من يعيد بناء جدرانها؛ إنها تحتاج إلى من يعيد بناء الحقيقة في ذاكرة الوطن، حتى لا تضيع مأساة أبريل 2023م بين ضجيج السياسة وصمت الإعلام.
وللحديث بقية بإذن الله تعالى