آخر الأخبار

جامعة من ذهب في بحر أبيض

بقلم الحاج أحمد مصطفي

في زمنٍ سقطت فيه قاعات الدرس تحت القصف، وأُحرقت المعامل، وتوقفت جامعات عن أداء رسالتها، وجد آلاف من أبنائنا وبناتنا أنفسهم وقد انقطعوا عن قطار التعليم قسرًا، لا لشيء سوى أن الحرب التي أشعلتها مليشيا آل دقلو الإرهابية لم تترك حجرًا على حجر في كثير من مؤسسات التعليم بولايات دارفور وكردفان والخرطوم.
وفي الوقت الذي كانت فيه بعض الجامعات تُغلق أبوابها، كانت أخرى تستقبل النازحين من طلابها وأساتذتها وإداراتها، وتبحث لهم عن مكان آمن يواصلون فيه مسيرتهم العلمية.
ومن قلب هذا المشهد القاتم، تبرز في ولاية النيل الأبيض تجربة تستحق أن تُروى، وأن تُدرس، وأن تجد حظها من التقدير والاهتمام.
إنها جامعة النيل الأبيض بكوستي ؛ جامعة بدأت صغيرة، لكنها كبرت بالإرادة والطموح، حتى أصبحت اليوم اسمًا حاضرًا في خارطة التعليم العالي بالسودان.
بدأت قصتها في العام 1999، عندما نشأت الجامعة ككلية صغيرة لترقية المعلمين ورفع قدراتهم، ثم مضت مع تطور الزمن حتى تحولت إلى جامعة متكاملة تضم عددًا من الكليات والتخصصات، من بينها الطب والهندسة والقانون والحاسوب، إلى جانب برامج الدراسات العليا، مع اهتمام واضح بالبحث العلمي وربطه بقضايا المجتمع واحتياجات إنسان النيل الأبيض.
ولم تكتف الجامعة بأن تكون مؤسسة تمنح الشهادات، بل سعت إلى أن تكون جزءًا من المجتمع، وأن تجعل من البحث العلمي وسيلة للعثور على حلول عملية للمشكلات التي تواجه إنسان المنطقة. فخصصت له نسبة مقدرة من دخلها السنوي
ولعل واحدة من أكثر صور هذه الجامعة إثارة للإعجاب أنها لم تغلق أبوابها في وجه أبناء الجامعات التي أغلقت الحرب أبوابها.
فقد فتحت قاعاتها وإمكاناتها، على محدوديتها، أمام طلاب وأساتذة وإدارات مؤسسات تعليمية تضررت من الحرب في دارفور وكردفان والخرطوم، حتى تجاوز عدد المؤسسات التي استفادت من هذا الانفتاح الثلاثين مؤسسة تعليمية، في صورة نادرة من صور التضامن الأكاديمي والإنساني.
لكن المفاجأة الأكبر، وربما السر الذي يجعل تجربة جامعة النيل الأبيض مختلفة، يكمن في فلسفة القائمين عليها تجاه الطالب. هذا السر كشفه بروفيسور السماني عبدالمطلب، رئيس مجلس الأمناء وأحد الأضلاع الرئيسية في مثلث مؤسسي الجامعة في آخر اجتماع له ، إن الجامعة اختارت طريقًا مختلفًا في التعامل مع الرسوم الدراسية.
الطلاب علي أعتاب التخرج في كلية الطب،، يمكن أن يدرُسوا برسوم رمزية للغاية مقارنة بتكلفة التعليم العالي التي وصلت لأرقام فلكية في الجامعات الحكومية دعك من الخاصة والاهلية، بمعني إن الطلاب بالطب والذين التحقوا بالجامعة قبل سنوات سُجلت رسومهم بمبلغ يعادل خمسة دولارات سنويًا، وظلت الجامعة حريصة على ألا تجعل ضيق ذات اليد سببًا في حرمان الطالب من التعليم.
خمسة دولارات فقط!… ثلاثون الف جنيه قد يبدو الرقم لمن يسمعه اليوم ضربًا من الخيال، لكنه في هذه الجامعة كان تعبيرًا عن فلسفة كاملة: التعليم حق، وليس سلعة.
وفي بلدٍ أنهكت الحرب اقتصاده، وتراجعت فيه دخول الأسر، وارتفعت معدلات الفقر، يصبح هذا النهج أكثر من مجرد قرار إداري؛ يصبح موقفًا أخلاقيًا ورسالة اجتماعية.
ولذلك ربما لا يكون غريبًا أن يقول رئيس مجلس الأمناء إن الجامعة تمضي في عملها بما يشبه “البركة في الرزق”.
فالجامعة، رغم محدودية مواردها، لم تتوقف عن التطور، ولم تجعل شح الإمكانات ذريعة للجمود، بل تمضي من نجاح إلى نجاح، وتخطط لإضافة تخصصات جديدة إلى مسيرتها، من بينها اللغات الفرنسية والصينية، إلى جانب كلية للذكاء الاصطناعي، في محاولة لمواكبة التحولات المتسارعة في عالم المعرفة والتكنولوجيا.
والأهم من ذلك كله أن الجامعة تحاول أن تحافظ على طبيعتها كمؤسسة تعليمية ذات رسالة، لا كمشروع تجاري هدفه الأول تعظيم الأرباح.
وهنا تكمن قيمة التجربة.
ففي الوقت الذي تحولت فيه بعض مؤسسات التعليم الخاص إلى مشروعات تجارية باهظة التكلفة، اختارت جامعة النيل الأبيض أن تجعل من القدرة على الوصول إلى التعليم جزءًا من هويتها.
إنها تجربة تستحق أن تتوقف عندها وزارة التعليم العالي، وأن يلتفت إليها رجال الأعمال والمجتمع، وأن تجد الدعم الذي يمكنها من تطوير معاملها وقاعاتها ومراكز أبحاثها واستيعاب أعداد أكبر من الطلاب.
والجامعة التي استطاعت أن تستقبل طلابًا وأساتذة من أكثر من ثلاثين مؤسسة تعليمية متضررة من الحرب، تستحق أن يُنظر إليها باعتبارها واحدة من مؤسسات الصمود الوطني في زمن الحرب.
التحية لبروفيسور السماني عبدالمطلب، رئيس مجلس الأمناء، وللبروفيسور الشاذلي عيسى حمد، مدير الجامعة، وللأستاذ محمد علي، رئيس مجلس المؤسسين، وللدكتور قمرالدولة عبدالمطلب، نائب المدير، وللدكتور عصام البدري، وكيل الجامعة، ولعمداء الكليات وأعضاء هيئة التدريس والعاملين كافة.
هؤلاء لا يديرون جامعة فحسب، وإنما يديرون مشروعًا يحاول أن يقول للسودانيين: حتى في زمن الحرب، يمكن أن ينتصر التعليم.
جامعة بدأت صغيرة في العام 1999، لكنها اليوم تملأ السمع والبصر… فتحت أبوابها حين أغلقت أبواب أخرى.
و احتضنت طلابًا وأساتذة فرقتهم الحرب…. جامعة تقول إن الفقر لا ينبغي أن يكون حكمًا بالإعدام على مستقبل الطالب…. تنظر إلى المستقبل فتستعد للذكاء الاصطناعي واللغات العالمية، بينما غيرها لا يزال يبحث عن طريقه للخروج من آثار الحرب.
لهذا كله أقولها بلا تردد:
جامعة النيل الأبيض ليست مجرد جامعة في بحر أبيض… إنها جامعة من ذهب….