
تحالف مستقبل الجالية.. حقيقة الفكرة وترسيخ المؤسسية
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*تتفاوت القراءات وتتباين التأويلات في كل مرة تتصدى فيها مجموعة من أبناء الوطن لمبادرة تنظيمية أو مشروع إصلاحي يستهدف ترتيب أوراق العمل العام في المهجر.. وهي حالة صحية ومفهومة في مجتمع الجالية السودانية بمصر الديناميكي، أضحت التحديات الماثلة أمامه تتجاوز بمراحل الأطر الإدارية والأنماط التقليدية التي سادت لعقود. بين أسئلة استيضاحية تبحث عن إجابات، وأخرى استنكار تطرح الهواجس والمخاوف، أثبتت التجربة العملية أن الشفافية المطلقة، والوضوح الإستراتيجي، والشجاعة في مواجهة الشارع الرياضي والمجتمعي، هي المساحة الوحيدة الكفيلة بردم الفجوات وبناء التوافقات الصلبة.. ومن هذا المنطلق بالتحديد، جاء البيان الصحفي رقم (3) الصادر عن (تحالف مستقبل الجالية السودانية بمصر) ليعيد وضع النقاط على الحروف، ويؤسس لمرحلة جديدة من العمل الأهلي القائم على الحوكمة، والمؤسسية، والتسامي فوق الحسابات الضيقة.
*إن القراءة الواعية لفلسفة نشأة تحالف مستقبل الجالية تسقط كلياً فرضيات التنافس الإداري أو الصراع على الشرعية والتمثيل. التحالف لم ينطلق قط ليكون خصماً من أحد، ولا ليحل محل الأطر القائمة وعلى رأسها المجلس الأعلى للجالية، كما أنه لم يُبنَ ليعمل تحت طوع أي جهة أو فصيل سياسي أو إداري.. إن الغاية السامية التي اجتمعت عليها الكفاءات والكيانات المكونة للتحالف تتجسد في تقديم إضافة نوعية وسد الفراغ المؤسسي والخدمي الذي عانت منه الجالية لفترات طويلة.
*لقد أدرك القائمون على التحالف أن تطوير العمل العام يتطلب تجاوز الاجتهادات الفردية والعواطف المجردة، والانتقال المباشر نحو بناء إطار برامجي جامع يعمل كبيت خبرة وذراع استشاري وأكاديمي. إطار يمتلك الأدوات العلمية والقدرة الميدانية على صياغة الاستراتيجيات، وبناء خطط العمل، وتصميم البرامج الخدمية في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.. والأهم من ذلك كله، إرساء آليات دقيقة للمتابعة والرقابة والتقييم تضمن أعلى مستويات الشفافية والمحاسبية، ليتم تقديم كل هذه الرؤى والمشاريع كمسودات وبرامج عمل مطروحة أمام الجمعية العمومية والمؤسسات القائمة لإجازة ما تراه مناسباً لخدمة الشارع السوداني بمصر.
*عكست النبرة الحكيمة والمؤصلة في البيان رقم (3) نضجاً سياسياً وإدارياً رفيعاً، لا سيما في تعاطي التحالف مع المتغيرات التنظيمية، وفي مقدمتها موقف جمعية دنقلا للثقافة والتراث النوبي بالقاهرة.. فلم يُقابل قرار انسحاب الجمعية بلغة تشنجية أو محاولات للتفنيد السلبي، بل جاء التعاطي معه كنموذج إيجابي يُحتذى به في التعددية واحترام حرية القرار الأهلي.. فقد عبّر التحالف عن تقديره العميق للموقف المبدئي للجمعية و الدور التأسيسي المحوري الذي لعبته إدارة الجمعية في مرحلة إطلاق الفكرة وإثراء أدبياتها.
*إن هذا الفهم المتقدم لإدارة الاختلاف يؤكد أن التحالف يعتمد على القضايا والبرامج لا على الأشخاص أو التكتلات الفردية. التعاون الشامل مع كافة الجمعيات والروابط والنوادي والمبادرات الفردية والأكاديمية سيبقى هو الأصل والمسار الدائم، حتى في أوقات تباين الآراء الإدارية، لأن الهدف الأسمى والجامع يظل دائماً هو خدمة المواطن السوداني من الإسكندرية إلى أسوان، وتذليل العقبات أمام الأسر والشباب والطلاب في أرض الكنانة.
*إن هذا المسار التوضيحي الذي انتظم في البيان رقم (3) يتسق تماماً مع المخرجات العملية للقاء الرسمي الذي جمع قيادة التحالف بسعادة الوزير المفوض والقنصل العام لجمهورية السودان بالقاهرة، الأستاذ البخاري عباس حبيب الله.. فقد كان ذلك الاجتماع محطة مفصلية أكدت فيها الدبلوماسية السودانية القنصلية ترحيبها بكافة المبادرات الجادة التي تستهدف ترقية الخدمات، وتطوير اللوائح، ورفع كفاءة الأداء الأهلي.
*إن تسليم الحزمة المستندية، والنظام الأساسي المقترح، والخطابات التعريفية الموجهة إلى جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج، لم يكن طلباً للاعتماد كبديل للكيانات القائمة، بل كان خطوة إدارية شفافة تضع السلطات الرسمية في صورة المبادرات الوطنية المطروحة لخدمة أبناء الوطن، ولتأكيد الحرص على العمل تحت مظلة القانون وفي إطار التنسيق الكامل مع سفارة السودان ومؤسسات الدولة الرسمية.
*إن الشارع السوداني في جمهورية مصر العربية، وهو يواجه إكراهات النزوح وظروف الحرب القاسية في الوطن، أحوج ما يكون اليوم إلى خطاب مجتمعي عقلاني يتجاوز الشكوك والاتهامات المتبادلة، ويتجه مباشرة نحو البناء المؤسسي المحكم.. إن تحالف مستقبل الجالية يقدم اليوم نموذجاً عملياً لكيفية تحويل الأفكار الفردية والمبادرات التشتتية إلى عمل استراتيجي خاضع للرقابة، ومستند إلى العلم، ومفتوح أمام الجميع للمشاركة والنقد والتطوير.
*إننا أمام لحظة فارقة تتطلب منا جميعاً – أفراداً، وجمعيات، ونوادي، ورجال أعمال، وإعلاميين – الالتفاف حول فكرة التطوير والإصلاح، والاحتكام إلى المؤسسية الشاملة بدلاً من الانكفاء على الكيانات المغلقة. إن الأشخاص والقيادات زائلون، بينما تبقى الأسس المتينة واللوائح العادلة والبرامج الخدمية المتقنة هي التركة الحقيقية التي نؤدي بها واجبنا الأخلاقي والوطني نحو السودان ونحو أبنائه الأوفياء في بلاد الهجرة والشتات.