
الذاكرة السودانية .. مبادرة زين العابدين الهندي (عالقون على جسر الحوار)
محمد الشيخ حسين
*أياً كان موقعك من السياق السوداني، قريباً منه أو ناظراً إليه من بعيد، لن يصعب عليك أن تتنبأ بمستقبل السلطة وأهلها، فالحكاية مكررة، وفصولها محفوظة.. أما مطولات الحياة السياسية حاليا لا تبتعد كثيراً عن حكايات السلطة والسيطرة.. فحين تغيب الشفافية، تتكاثر القيود وتتسع معاني السيادة، ويصير الإنسان بحركته وجسده وبياناته رهينة سياساتٍ وأنظمةٍ وبنى سلطويةٍ ومجتمعية.
*تأتي هذه السطور على وقع أصوات الحرب التي تحيط بنا، وللحرب صوتٌ مريعٌ ولونٌ بشعٌ.. لكن تمرد مليشيات الدعم السريع وتابعيهم بإحسان وغيره، أثبت صلابة الجيش السوداني وقوته في الدفاع عن الوطن من جهة، وتلاحم الشعب السوداني مع جيشه من جهة أخرى. وبين الجهتين تبرز عبارة (جيش واحد شعب واحد)، لتهزم كل خزعبلات وهترشات ما يسمى (الحكومة المدنية الديمقراطية).. وحتى لا نصبح عالقين على جسور الحوار المتناثرة هنا وهناك نعيد إلى الأذهان تجربة في الحوار الوطني حدثت قبل ثلاثين عاما وأطلقها الراحل الشريف زين العابدين الهندي (1996 – 2006) وعرفت بـ (مبادرة الحوار الشعبي الشامل.
1
لا يدرك مسعرو الحروب عاقبة قراراتهم وعنترياتهم على عامة الناس ومصالحهم، إذ قد تنتهي الحروب.. لكن المعاناة اليومية والآلام والفقد والجراحات التي لا تندمل، تظل غصةً في حلق عامة الناس ممن اكتووا بلظى الحرب.. وهنا يكمن سر تمسك الفريق أول ركن عبد الفتاح عبد الرحمن البرهان بـ (إنهاء مليشيات الدعم السريع نهائيا)، حيث لا مجال لمفاوضات أو هدنة تتيح لمتمردي الدعم السريع في الحياة السياسية مرة أخرى.
وعلى كلّ ما في محيطنا الملتهب من حروبٍ واحتلالٍ ودمارٍ وفسادٍ، إلا أن الفأل بضاعةٌ رابحةٌ في سوقٍ عَمَّه الإحباط والخذلان.. تدور (الذاكرة السودانية) هذا الأسبوع حول مبادرات الحوار في السودان من جهة تقلّب المعاني والزمان من حالٍ إلى حال.
(2)
لا يسع المجال للخوض في صراعاتنا الداخلية وكيف ساهمت في صنع صورة السودان الخارجية بمحيطَيها الأقرب والأبعد، لكن علينا الاهتمام بامتداد السودان الثقافي والعرقي والاقتصادي والاستراتيجي، من جهة أن كل هذا التنوع والامتداد شكّل هويةً صلبةً ومرنةً في الوقت نفسه.. فمنذ تشكلت الدولة السودانية الحديثة أعقاب غزو محمد علي باشا للسودان في 1821م.. ولا يسع المجال للاستطراد في أحداث التاريخ لكن قبل30 سنة أطلقت في 1996، مبادرة الحوار الشعبي الشامل للشريف زين العابدين الهندي.. واقع الحال أن الشريف عاد إلى السودان سنة 1996 وقال جملة مشهورة (البلاد تؤكل من أطرافها وأخشى أن تؤكل من أحشائها).. ودعا لحوار بين الحاكمين والمحكومين لكي يصلوا إلى كلمة سواء.
(3)
ماذا كانت مبادرة الحوار الوطني الشامل؟ لم تكن المبادرة صفقة سياسية أو محاصصة سلطة، بل كانت الطريق الثالث بين غلظة ثورة الإنقاذ الوطني (1989 ــ 2019) وغلواء التجمع الوطني المعارض في الخارج. حفظت المبادرة البلاد من التمزق.. ونتج عنها انفتاح سياسي، أثمر عن عودة التعددية بإقرار قانون التوالي السياسي، ودستور 1998 والمشاركة الوطنية الواسعة.
الآن 2026 بعد 30 سنة من اطلاق المبادرة، ما هو المدخل للنظر فيها اليوم؟ المدخل ليس قانونيا وإنما أخلاقيا وطنيا، وهنا يكمن سر قوة مبادرة الشريف: المبدأ الأول: سودانية الحوار بلا استقواء بالخارج. ويحضرنا قول الشريف الهندي (السودانيون أحرار في إدارة شؤون بلادهم). والحاصل اليوم عكس هذه المقولة تماما.. المبدأ الثاني: وحدة السودان خط أحمر، المبدأ الثالث: الحوار الشعبي لا الحوار النخبوي.
(4)
الواقع الحالي يقتضي أن نستلهم من تاريخنا المعاصر ما هو مضيء لنبني به حاضرنا وفق الهبات والمبادرات التالية:
1- نأخذ من مؤتمر الخريجين 1938: فكرة أن السودانيين قادرون على إدارة خلافاتهم بعقولهم لا بسلاحهم.
2- من الاستقلال 1956 نؤكد أن الوحدة كانت بإرادة قومية فوق الطائفة والحزب، بشعار (صحن الصيني لا شق ولا طق).
3- من ثورة أكتوبر 1964 نرى أن الشعب حين يتوحد يسقط الدكتاتورية بلا سلاح.
4- من المصالحة الوطنية 1977 ندرك أن الحوار مع الخصم أشجع من الحرب عليه.
5- من انتفاضة أبريل 1985 نعلم أن الجيش ينحاز للشعب.
6- من مبادرة الشريف زين العابدين 1996 نسير في الطريق الثالث حين يصبح الحوار بين الحاكم والمحكوم لا بين حزب وحزب.
7- من اتفاقية السلام الشامل 2005 نرى أن الحرب الأهلية تنتهي باتفاق إذا خلصت النوايا.
8- من ثورة ديسمبر 2018 نقتنع أن الشباب والمرأة هم قلب السودان النابض، ولا حوار بدونهم.
(5)
عودة إلى مبادرة الشريف زين العابدين الهندي 1996، يتعين علينا أن لا نظل عالقين على جسر الحوار طويلا، فهددعوة لاستعادة الروح السودانية الجامعة وفق ستة مبادئ حاكمة:
1- سيادة القرار الوطني، حيث لا استقواء بالخارج، ولا سفارات تدير حوارنا، القرار.
2- وحدة السودان خط أحمر لا يمس ولا نقبل تقسيماً جديداً ولا حكماً ذاتياً مسلحاً يهدد الوحدة.
3- الشعب مصدر الشرعية، حيث لا تأتي
من البندقية ولا من بيانات الخارج، بل من الشعب في الداخل، يضم 8 مكونات: القوات النظامية، القوى السياسية التاريخية، قوى الثورة والشباب والمقاومة، الإدارة الأهلية والطرق الصوفية، المرأة والمهنيين، المزارعون والرعاة والعمال، النازحون واللاجئون، والسودانيون في المهجر.
4- عدالة انتقالية تكشف الحقيقة، تجبر الضرر، وتمنع الإفلات من العقاب.
5- المواطنة أساس الحقوق
6- المعيشة قبل السياسة، الاقتصاد والزراعة والإغاثة أولوية قصوى.
(6)
ثمة سؤال يفرض نفسه عن الضمانات لنجاح هذا الحوار في حالة قيامه؟. وقد تبدو الإجابة عن هذا السؤال في الحاضر السياسي الساخن، إلا أننا نطرح أربعة نقاط نأمل أن تسهم في قيام ونجاح هذا الحوار:
1- إن يكون الحوار داخل السودان.
2- إن يكون الحوار علنياً ومنقولاً للشعب.
3- إن لا يشارك في الحوار من حمل السلاح ضد المواطنين، وثبت تورطه بجرائم حرب، إلا بعد خضوعه للعدالة.
4- إن يكون الشباب والنساء 50% من مقاعد هذا الحوار.
(7)
هذه رسالة مكتوبة بحروف لم يسمع بها الناس اعتاد الشريف زين العابدين دوما أن يكتب بها،. ولست أدري أن الاخوة الاعداء في الحركة الاتحادية بمسمياتها كافة قد أطلعوا على رسالة كتبها الشريف زين العابدين الهندي قبل رحيله 2006، نقرأها اليوم كأنه بيننا:
يا أبنائي
إذا جاءكم يوم تأكل فيه البلاد من أحشائها كما أكلت من أطرافها، فلا تبحثوا عن الحل في لندن ولا باريس ولا واشنطن، ابحثوا عنه في: خلوة الفكي في الجزيرة، في راكوبة الست الشاي في دارفور، في مراح الكباشي في كردفان، وفي مركب الحلفاوي في الشمالية.
هناك ستجدون السودان الذي أحببته، سودان بلا سيد ولا عبد، سودان يعطي ولا يأخذ.
كنت أفتح بابي بلا بواب، لأن الوطن لا يحتاج بواباً، بل يحتاج قلباً
لا تقولوا: من يحكم؟ قولوا: كيف نعيش معاً؟
وإذا اختلفتم، فاجلسوا على الأرض، فالأرض لا تكذب.
ابنكم المحب للسودان حتى الرمق الأخير
الشريف زين العابدين الهندي