لماذا لا تنخفض أسعار الوقود في السودان؟
عندما تعمل البواخر على تفريغ شحنات الوقود في ميناء بورتسودان شرق البلاد بانتظام، فإن هذا لا يعني أن الأسعار قد تتراجع إلى ما كانت عليه قبل فبراير المنصرم؛ لأن الطريقة التي تُدار بها الصفقات هي التي تتحكم في تحديد تكلفة الاستيراد، وبالتالي لا يمكن المساس بها وفقًا للمتعاملين في هذا القطاع.
ويستورد السودان شهريًا نحو 8 بواخر محملة بـ 40 ألف طن من المشتقات النفطية، حسب تصريح رسمي صادر من وزارة الطاقة والنفط نهاية الأسبوع الماضي. وبين فبراير ويونيو من هذا العام، ارتفعت أسعار الوقود خمس مرات على الأقل، حيث بدأت للجالون من سعر 19 ألف جنيه إلى 36 ألف جنيه، بزيادة بلغت حوالي 80%.
تفاوت تكلفة الاستيراد
تتراوح تكلفة الباخرة المحملة بـ 40 ألف طن من الوقود بين 24 مليون دولار إلى 38 مليون دولار في الأسواق العالمية. ووفقًا لمصدر حكومي تحدث لـ”الترا سودان”، فإن تفاوت السعر يعود إلى أن هناك صفقات تتم بين الدول، وأخرى تجري بين شركات خاصة في السوق العالمي، وهي الحالة التي تنطبق على الاستيراد إلى السودان، مما يعني زيادة قدرها 14 مليون دولار على الباخرة الواحدة.
ويقول المصدر الحكومي الذي تحدث لـ”الترا سودان” وهو على اطلاع بالأسواق المحلية، إن استيراد الوقود إلى السودان يكون وفقًا لآليات السوق العالمي، حيث تطلب الشركات المستوردة السوداني وهي مجموعة من القطاعين العام والخاص الوقود من الشركات الأجنبية، وبالتالي لا يمكن التحكم في السعر كما هو الحال في الاتفاقيات بين الدول التي تتعامل رسميًا عبر المؤسسات وتتميز بالأسعار الثابتة والمتحكم بها.
وأضاف: “الاتفاق بين الدول لاستيراد الوقود على سبيل المثال إذا اتفق السودان رسميًا مع المملكة العربية السعودية في هذا الصدد سيتعين عليه سداد التكاليف بشكل آجل وليس عاجلاً، وهذا يمنح فرصة كبيرة للتعامل المرن في هذا القطاع، عكس التعامل عبر الشركات إذ تضطر إلى الدفع العاجل دون تأخير وبأسعار مرتفعة علاوة على ضمان استيراد وقود بمواصفات جيدة”.
وارتفع سعر جالون الجازولين في العاصمة الخرطوم إلى 36.500 ألف جنيه، أما البنزين فقد بلغ سعره 33.250 ألف جنيه. وبسبب الطوابير الطويلة للسيارات أمام محطات الوقود نتيجة عدم انتظام الاستيراد وتوريد سلاسل الإمداد إلى الأسواق المحلية، يُباع الجالون في السوق الموازي بسعر يصل إلى 120 ألف جنيه، بينما يُباع في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان التي دُمرت غالبية محطاتها بفعل غارات الدعم السريع بسعر 150 ألف جنيه للجالون الواحد.
التبعات الاقتصادية
ويقول المحلل الاقتصادي عمر أبشر لـ”الترا سودان”، إن وضع استيراد الوقود وهي خدمة حيوية وضرورية على عاتق الشركات الخاصة يعني تسليم مصير ملايين المواطنين إلى القطاع الخاص، الذي لن يتردد في وضع أي زيادة جديدة، ومع إضافة الضرائب الحكومية تصل الأسعار إلى المستهلك بتكلفة باهظة جدًا تنعكس على الأوضاع المعيشية والمواصلات والسفر وحتى الزراعة.
ويوضح أبشر أن الشروط التي وضعتها الحكومة أمام الشركات الخاصة لإبراز شهادة ملكية 200 كيلوغرام من الذهب كضمان مالي لقياس القدرات المالية، لا تعني بأي حال من الأحوال أن القرار يصب في مصلحة خفض الأسعار، بقدر ما أن الإجراء يهدف إلى تنظيم سلاسل الإمداد حتى لو كانت الأسعار فلكية.
وأردف قائلًا: “أنا لا أستبعد أن الشركات إثر هذا القرار قد دخلت أسواق الذهب واشترت كميات بالجنيه السوداني وخلقت أزمة سيولة، وفي الوقت نفسه رفعت من أسعار الدولار في السوق الموازي خلال الأسبوعين الأخيرين”.
ويقترح المحلل الاقتصادي عمر أبشر استيراد الوقود عبر المؤسسة السودانية للنفط المملوكة للحكومة، بدلاً من ترك هذه الخدمة الحيوية لشركات القطاع الخاص دون أي مبرر سوى زيادة أثرياء جدد على حساب ملايين المواطنين.
ويرى أبشر أن البنية التحتية للوقود في السودان، سواء كانت خطوط النقل أو المستودعات أو الموانئ، مملوكة للدولة، وهذه من المميزات التي يمكن أن تساهم في خفض أسعار الوقود في السودان.