آخر الأخبار

سورة الأعراف… عندما يقرأ السودان تاريخه في مرآة القرآن

دكتور أسامة خيال

*ليست سورة الأعراف مجرد صفحات تُتلى، ولا قصصاً تُروى للتسلية أو للتاريخ، وإنما هي سجلٌ خالد لسنن الله في قيام الأمم وسقوطها، ودستورٌ يشرح كيف تبدأ الحضارات، وكيف تتآكل من داخلها، وكيف تقترب من حافة الانهيار قبل أن تدرك أنها كانت تسير إليه بخطى ثابتة. وكلما أمعن الإنسان النظر في هذه السورة، ازداد يقيناً بأن التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن البشر هم الذين يعيدون أخطاءهم.

*ولعل السودان اليوم، وهو يعيش واحدة من أكثر مراحله قسوة منذ تأسيس الدولة الحديثة، أحوج ما يكون إلى قراءة سورة الأعراف بعين المتدبر، لا بعين القارئ الذي يمر على الآيات مروراً سريعاً.. فالقرآن لا يحبس قصصه في الماضي، وإنما يجعلها مرايا يرى فيها كل جيل صورته إذا تشابهت الأسباب، لأن سنن الله لا تتغير، كما قال سبحانه: (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا).

*تفتتح السورة بنداء يختصر مشروع الإصلاح كله: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ).. وكأنها تقول إن الأزمات الكبرى لا تبدأ عندما تضعف الجيوش أو تتراجع الاقتصادات، وإنما تبدأ عندما تنفصل الأخلاق عن السياسة، ويغيب العدل عن الحكم، ويصبح الولاء للأشخاص والأحزاب والقبائل فوق الولاء للحق.

*ومنذ المشهد الأول، يقف إبليس أمام البشرية معلماً أول درس في أسباب السقوط.. لم يكن جاهلاً بالله، ولم ينكر وجوده، لكنه سقط بسبب كلمة واحدة: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ).. إنها كلمة الاستعلاء التي ما زالت تتكرر بأشكال مختلفة؛ استعلاء القوة على الضعف، واستعلاء القبيلة على القبيلة، واستعلاء الحزب على الوطن، واستعلاء السلاح على الحوار، واستعلاء المصالح الخاصة على المصلحة العامة.. وما أكثر ما دفعت الأمم ثمن هذه الكلمة عبر التاريخ.

*ثم ينتقل القرآن إلى قصة آدم عليه السلام، حيث يبدأ الشيطان حربه القديمة الجديدة، لا بالسلاح، وإنما بالخداع وتزيين الباطل وإلباسه ثوب النصيحة.. وهذه سنة لا تزال حاضرة في كل زمان؛ فكم من الشعارات اللامعة قادت الشعوب إلى طرق مظلمة، وكم من الوعود البراقة انتهت إلى خيبات موجعة، وكم من الناس صدقوا الكلمات أكثر مما صدقوا الوقائع.

*وحين تستعرض السورة قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام، يكتشف القارئ أن اختلاف الأزمنة لم يغير طبيعة الأمراض التي تهلك الأمم.. ففي كل قصة يظهر مرض من أمراض المجتمعات؛ مرة يكون الكبر، ومرة الظلم، ومرة الفساد الاقتصادي، ومرة الانحلال الأخلاقي، ومرة الاستبداد، ومرة التلاعب بالدين، لكن النهاية تكاد تكون واحدة: أمة تجاهلت الإنذار حتى صار الإصلاح أصعب من الانهيار.

*ولو تأمل السودانيون هذه القصص بعيداً عن إسقاطات الاتهام، لوجدوا أنها تدعو الجميع إلى مراجعة النفس قبل محاسبة الآخرين.. فما الذي أوصل بلداً حباه الله بالنيلين، وبملايين الأفدنة الزراعية، وبالثروات المعدنية، وبالثروة الحيوانية الهائلة، وبالموقع الجغرافي الفريد، إلى أن يصبح أبناؤه بين نازح ولاجئ، وبين باحث عن الأمن أو الرغيف أو الدواء؟ ليس لأن الأرض بخلت بخيراتها، وإنما لأن الإنسان كثيراً ما أساء إدارة ما أودعه الله فيها.

*ومن أبلغ آيات السورة قول شعيب عليه السلام لقومه: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا).. إنها ليست وصية للتجار وحدهم، بل لكل من يحمل أمانة.. فبخس الناس حقوقهم لا يكون في الأسواق فقط، بل يكون في الوظائف، وفي القضاء، وفي الإدارة، وفي توزيع الثروة، وفي الخدمات، وفي تكافؤ الفرص، وفي كل موضع تضيع فيه العدالة ويحل محلها النفوذ أو المحاباة.

*ثم تأتي الآية التي تصلح لأن تكون برنامجاً وطنياً لكل بلد يريد النهوض: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).. والبركة هنا ليست وفرة المال وحدها، وإنما بركة الأمن، واستقرار المجتمع، وصدق القيادة، وإتقان العمل، وعدالة القضاء، واطمئنان الإنسان إلى غده.. فقد تمتلك دولة ثروات هائلة لكنها تفتقد البركة، وقد تملك أخرى موارد محدودة لكنها تزدهر لأن العدل فيها أقوى من الفساد.

*وتحذر السورة من وهمٍ قاتل، حين يظن الناس أن ما أصاب غيرهم لن يصيبهم، فتقول: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ).. وكأنها تهمس لكل أمة: لا تغتروا بما لديكم من قوة أو نفوذ أو مال، فالتاريخ مليء بإمبراطوريات ظنت أنها خالدة، ثم أصبحت سطوراً في كتب التاريخ. وليس أخطر على الأوطان من الاطمئنان إلى أن الانهيار مستحيل.

*وفي قصة موسى وفرعون تقدم السورة مشهداً يتكرر في كل عصر؛ سلطة تملك القوة، وشعب يرزح تحت المعاناة، وصراع يبدو فيه ميزان القوة مختلاً، ثم تأتي الكلمة التي تبعث الأمل في أحلك الظروف: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ  وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).. إنها ليست دعوة إلى الاستسلام، وإنما دعوة إلى الصبر المنتج الذي يقترن بالإصلاح والعمل والثبات.

*غير أن السورة لا تكتفي بفضح ظلم الطغاة، بل تكشف أيضاً أخطاء الشعوب.. فبنو إسرائيل، بعد أن نجاهم الله من فرعون، لم يمض وقت طويل حتى قالوا لموسى: (اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ).. وكأن القرآن يريد أن يقول إن التخلص من الطغيان لا يكفي إذا بقيت العقول أسيرة الأهواء، وإن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان قبل بناء المؤسسات.

*إن مأساة السودان اليوم ليست قدراً محتوماً، كما أنها ليست مجرد صراع على السلطة أو تنافس على النفوذ. إنها امتحان أخلاقي وحضاري، يختبر قدرة السودانيين على تجاوز الأحقاد، وإحياء قيمة الإنسان، وإعلاء شأن الوطن فوق كل انتماء ضيق.. فلا وطن يبنى بالكراهية، ولا دولة تستقر بالانتقام، ولا سلام يدوم إذا غابت العدالة.

*وتعلمنا سورة الأعراف أن الله لا يهلك أمة لأنها أخطأت، وإنما حين تصر على الخطأ، ولا يحرمها الخير لأنها ضعفت، وإنما حين ترفض أسباب النهوض.. لذلك فإن باب الرجاء يظل مفتوحاً مهما اشتدت المحن، لأن القرآن لا يكتب شهادة وفاة للأمم، بل يرسم لها طريق العودة.

*ويبقى السودان، رغم الجراح، بلداً لم تستنفد كل فرصه بعد. فما تزال أرضه قادرة على العطاء، وشعبه قادراً على النهوض، إذا انتصر صوت الحكمة على ضجيج السلاح، وصوت الضمير على ضجيج المصالح، وصوت الوطن على أصوات الانقسام.

*وحينها فقط، لن تكون سورة الأعراف مجرد سورة تُتلى في المساجد، بل ستصبح مشروعاً أخلاقياً ووطنياً يعيد إلى السودانيين الثقة بأن سنن الله التي حذرت من أسباب السقوط، هي نفسها التي بشرت بأن العاقبة للمتقين، وأن الفجر يولد دائماً بعد أطول ساعات الليل، وأن الأمم التي تصدق مع الله، وتتصالح مع نفسها، وتعدل بين أبنائها، تستحق أن تفتح لها بركات السماء والأرض.