معجزة إدارية بمحلية أبو حجار
- وحدة هندسية للطرق بمبلغ تريليون جنيه من حُر مال المحلية
- المحليات ليست فقيرة بل الفقر فقر الأفكار وغياب الخبرات الإدارية
- حينما تدار أموال المواطنين بعقلية (رجل الدولة) لا عقلية (المحصل)
- إدارة المحليات ليست توقيعات في دفاتر الحضور بل إشتباك يومي مع التحديات
تحقيق ــ محمد العاقب:
في ظل الظروف الإستثنائية والبالغة التعقيد التي تمر بها بلادنا وقف العمل التنفيذي والتنموي في الكثير من بقاع السودان عند محطة الإنتظار إنتظار الدعم المركزي أو ترقب المساعدات الإتحادية.. وهو مبرر قد يبدو منطقياً في ظل شلل الأسواق وتراجع الإيرادات العامة.. لكن وسط هذا الركام ثمة بارقة أمل وتجربة ملهمة تولد وتتحرك على الأرض بطلها هذه المرة هو الحكم المحلي بولاية سنار.. فقد حطمت بعض محلياتها الفكرة التقليدية التي رهنت التنمية بالدعم الخارجي أو الموازنات المركزية.. وقررت الإدارات التنفيذية خوض غمار تحدٍّ من نوع خاص: الرهان الكامل على الإيرادات الذاتية وتحويل الأزمة إلى فرصة.. عبر هذا التحقيق نغوص عميقا في تفاصيل هذه التجربة الفريدة لتوثيقها ليس فقط من باب الإشادة بل لتقديمها كروشتة عمل ونموذج علمي وعملي يمكن لكافة محليات السودان تطبيقها لتجاوز أزماتها المالية
التحول العبقري:

لعقود طويلة ظلت المحليات في السودان تعتمد على روشتة مالية عقيمة، تجمع الجبايات والرسوم لتبددها في بنود الصرف الإداري والتسييري، بينما تظل مشروعات البنية التحتية من طرق، وصحة، وتعليم، معلقة في ميزانيات وزارات المالية الولائية أو الاتحادية التي قد تأتي وقد لا تأتي.
التحول العبقري الذي شهدته محليات مثل (أبو حجار، سنجة، الدندر)، وسنار في ذات الطريق، لم يكن مجرد صدفة بل كان نتيجة لوعي إداري شجاع أدرك أن إستمرار الحياة وخدمة المواطن في هذه المرحلة يتطلبان قفزة خارج الصندوق، فبدلاً من البكاء على أطلال الميزانيات المفقودة، إلتفتت هذه المحليات إلى مواردها المحلية الكامنة، وأعادت صياغة الأولويات عبر رؤية تقوم على:
ــ تعظيم الإيرادات الذاتية وتجفيف منافذ الهدر المالي.
ــ الشفافية العالية في طرح الفرص الإستثمارية وإشراك المجتمع المحلي.
ــ توجيه العائدات مباشرة نحو أصول رأسمالية وتنموية مستدامة (آليات، وحدات هندسية، بنية تحتية).
معجزة إدارية:
القيمة الحقيقية لتجربة سنار لا تكمن فقط في حجم المبالغ التي جُمعت، بل في التوقيت والظروف، فأن تنجح محلية في شراء (وحدة هندسية متكاملة للطرق) من حر مالها وإيرادات أسواقها ومزارعيها في هذا التوقيت بالذات، هو بمثابة معجزة إدارية تثبت أن الإرادة متى ما توفرت سقطت أمامها كل مبررات العجز.
هذه الحركة التنموية المتسارعة أحدثت ما يمكن تسميته بالعدوى الإيجابية، فحينما نجحت محلية (أبو حجار) في إبتكار الحلول لم تقف بقية المحليات موقف المتفرج، بل تحركت (سنجة) على ذات الدرب ولحقت بهما (الدندر) بعبقرية إستثمارية جديدة، لتسير (سنار) الآن في ذات الإتجاه الإستراتيجي.
إن تجربة سنار تقول لنا بوضوح: الأرض لا تعدم خيرها والمحليات ليست فقيرة، بل الفقر هو فقر الأفكار وغياب الجرأة الإدارية.. وحينما تدار أموال المواطن بعقلية (رجل الدولة) لا عقلية (المحصل)، تصبح التنمية واقعاً يمشى بين الناس رغم أنف الحرب والأزمات.
تجربة أبو حجار:
ولقد وضعنا أيدينا على الفلسفة التي أطاحت بجمود المحليات في ولاية سنار، ومن خلال الأسطر القادمة نغوص في (المختبر) حيث تحولت الرؤية إلى حديد وفولاذ، وحيث أثبتت محلية أبو حجار أن الإدارة ليست مجرد توقيعات في الدفاتر، بل هي إشتباك يومي مع التحديات لتحويلها إلى أصول تنموية.
بدأت فكرة شراء آليات للطرق من زيارة ميدانية لمنطقة (الصهباء) التابعة لمحلية ابو حجار نهاية عام 2025، حيث أطلق المدير التنفيذي للمحلية، عبد اللطيف يوسف آدم، والذي تسلم مقاليد الحكم المحلي في أبوحجار في شهر مايو من العام ٢٠٢٥م، وعداً بفك عزلة المنطقة في الخريف بطريق ردمية، حينها كانت الميزانية الكلية للمحلية لا تتجاوز المليار و200 مليون جنيه، وهو رقم قد يراه البعض مبرراً كافياً للتقاعس لكن في قاموس (عبد اللطيف)، كان العجز هو المحفز لإقتحام المستحيل.
لم يكتفِ الفريق الإداري بمحلية أبوحجار بالتحسر على شح الموارد، بل أعاد هندسة الإيرادات عبر خطة إستراتيجية إستخدمت فيها الشفافية كوقود، حيث تم تجديد عقودات الأسواق التي ظلت مهملة لسنوات، وتفعيل تحصيل الثروة الحيوانية (القطعان) التي حصدت أرقاماً قياسية قفزت من 100 مليون في ٢٠٢٥م في الخطة إلى متحصل في ٢٠٢٦م يقارب التريليون بالعملة القديمة.
كانت عقلية (رجل الدولة) حاضرة بتخطيط وقناعة، وبدلاً من توزيع الإيرادات في بنود التسيير الهامشية، تم فتح حساب خاص للتنمية، ورفعت الميزانية لعام 2026 بنسبة 200%، لتصل إلى 3 مليارات و365 مليون جنيه، مع تخصيص 60% منها للتنمية، في سابقة أثارت دهشة وإشفاق المراقبين الماليين بالولاية.
ولادة الوحدة الهندسية:
استطاعت محلية أبو حجار في الأشهر الثلاثة الأولى من العام أن تتحصل 700 مليون جنيه للتنمية فإتجهت لشراء آليات الطرق، وحينما تعثر التمويل البنكي بسبب الظروف الإستثنائية، لم يتوقف قطار (أبو حجار)، بل تحركت لجنة كبرى تضم جهات الإختصاص، بما فيها وزارة المالية والتخطيط العمراني والمستشار القانوني، وتم (إقتحام السوق) بقرار شجاع، لتشتري المحلية آليات ثقيلة: (2 قلاب، قريدر، لودر، وباك لودر)، وفي المرحلة الثانية تم شراء (حفار، وبوكلن، ورشاش) وتم توفير آليات قوالب لصناعة المواسير الخرصانية أو العبارات بتكلفة كلية للآليات بلغت تريليون و150 ملياراً جنيه.. لم تكن هذه مجرد معدات بل كانت نواة لأول وحدة هندسية إستثمارية في تاريخ محليات السودان، تضم حتى (إدارة للتنمية) لضمان إستدامة التخطيط وفق التوقعات المالية.
تفاعل الموطنين:
أجمل ما في هذه التجربة هو تفاعل المواطن، فبعد أن رأى أمواله تتحول إلى آليات تشق الطرق وتفتح الحفائر وتصنع العبارات الخرسانية، تضاعف الجهد الشعبي حيث رفعت المحلية مستهدفه في خطة 2026 إلى ترليون و600 مليون جنيه، بدلاً عن 240 مليوناً في خطة 2025، محققةً منها حتى شهر مايو 780 مليون جنيه.. وبدأ طريق (الصهباء) في التنفيذ بتمويل من الجهد الشعبي بحوالي 2 ألف جالون وقود، مع إستغلال توسعة الحفائر لمعالجة أزمات المياه التي ظهرت العام الماضي بإستخراج التربة لردم الطريق.. لقد أصبح المواطن حارساً للتنمية لأنه بات يرى ثمار مساهمته في كل شبر.
قرار الشجعان:

تؤكد تجربة أبو حجار أن المحليات ليست فقيرة، بل هي (فقيرة الأفكار)، واليوم لا تتوقف الطموحات عند هذا الحد، بل تخطط المحلية لشراء (درداقة) أي (مندالة طرق) وسطح ناقل للبوكلن بنهاية شهر يونيو الجاري، لتعزيز كفاءة الوحدة الهندسية.
بقى أن نقول: إن إنشاء هذه الوحدة الهندسية التي تخدم المحلية وتستعد للإستثمار وتأجير آلياتها، هو الدرس البليغ الذي تقدمه أبوحجار للسودان، وعندما تُدار أموال المواطن بعقلية (المستثمر الأمين) لا تقف الحروب ولا الأزمات عائقاً في وجه الإعمار.
والتحقيق الصحفي هو دعوةٌ مفتوحة لكل مسؤول في كل بقعة من بقاع السودان ليدرك أن التنمية ليست رهينة للظروف، بل هي قرارٌ يتخذه الشجعان.. ففي قاموسنا الجديد، نحن لا ننتظر الميزانيات، نحن نصنعها.. ولا ننتظر الفرص، نحن نقتحمها.. فبينما يغرق الآخرون في الأعذار، تختار (أبو حجار) أن تحفر في الصخر، لأننا نؤمن أن الوطن لا ينهض إلا بكسر حاجز المستحيل.