
الكاهن .. يا غرقنا .. يا جاء حازمها
تأملات
جمال عنقرة
*لولا أن المثل الشعبي السوداني قدم الغرق على الحزم، لفعلت عكس ذلك، وقدمت الحزم على الغرق، ذلك أن الراجح هو نجاح الرئيس البرهان في العبور بسفينة السودان إلى بر الأمان، لا سيما بعد حديثه الأخير في شرق النيل، الذي أكد فيه قدرة الجيش على حسم التمرد، وتطهير الأرض، رغم بعض الملاحظات المهمة، التي لا بد من الوقوف عندها، فلقد ذكر السيد البرهان ان الجيش قادر على حسم التمرد، وكما هو معلوم ان هذه المعركة ليست معركة الجيش وحده، ونظلم جيشنا الباسل ونخذله اذا تركناه يقاتل وحيدا في هذه المعركة الوجودية، صحيح أن الجيش هو رأس الرمح في هذه المعركة، ولكن يقف خلفه كل الشعب السوداني، ويقف معه في الميدان مقاتلون من كل أهل السودان، من قوات الحركة الشعبية الوطنية، ومن قوات حركات الكفاح المسلح الوطنية المشتركة، ومن المجاهدين الاسلاميين، ومن درع السودان، وغيرهم من الذين استجابوا لنداء الكرامة، أما الملاحظة الثانية، فالسلام لا يعني قطعا عودة المشروعية للدعم السريع، فهذا عهد قد ولى بغير رجعة، والسلام الذي يأتي من موقف قوة ونصر يعزز الخيارات الوطنية، ويضع البلد على أعتاب مرحلة جديدة، تتهيأ فيها لاعادة تأسيس وطن يسع الجميع بلا عزل ولا تمييز ولا إقصاء.
أما لقب (الكاهن) فيعلم كثيرون أن اكثر من اشتهر بهذا الاسم هو زميلنا الراحل الحبيب الاستاذ عمر محمد الحسن صاحب باب (غير قابل للنفي) وكان قد أطلق عليه هذا اللقب السيد مهدي مصطفي الهادي أشهر معتمد للخرطوم بعد برمبل، وكان عمر يعمل مع مهدي في وظيفة تجمع بين السكرتارية والامن والإعلام، وكان كل ما يقع السيد مهدي في مأزق أو مطب، أو حرج، يخرجه منه عمر سالما كما تخرج الشعرة من العجين، وفي مرة حاصره أهل منطقة بمطالب عصية، وبينما هو في حيرة من أمره، أتاه عمر بحل مقدور عليه، ويرضي أهل المنطقة، فبعد أن ذهبوا قال مهدي لجلسائه، عمر ده كاهن، فسار عليه اللقب، وغلب على اسمه.
*ولم أجد رئيسا مر على السودان، وقع في مثل المطبات والمحن التي وقع فيها الرئيس البرهان، وظل يخرج منها كلها سالما كما تخرج الشعرة من العجين، ولا أدري من الذي أطلق على السيد البرهان لقب الكاهن، لكنه صدق، فالسيد البرهان برع في ابتداع الحلول التي يعجز اي انسان في التفكير فيها.
*وبالعودة إلى الوراء نجد أن السيد البرهان لم يكن طرفا في اللجنة الامنية التي أطاحت بحكومة الإنقاذ، ولما طرح اسم السيد البرهان بعد استقالة السيد عوض ابن عوف، ارتضاه الجميع رغم التباين والخلافات، فهو مقبول أولا من القوات المسلحة، وكان مفتشا عاما للجيش، وقبلت به الحرية والتغيير، وقد يذكر الناس لقاءه مع السيد إبراهيم الشيخ في ساحة الاعتصام، وقبل به الاسلاميون والمؤتمر الوطني، وقد كان واحدا منهم، وكما هو معلوم فإن السيد البرهان كان قد عمل محافظا لاحدى محافظات دارفور، ورئيسا للمؤتمر الوطني، فقبلوا به، مثلما قبل به الآخرون، وصار محل ثقة الجميع، ثم قبلت به بعد ذلك حركات الكفاح المسلح التي وقعت على سلام جوبا.
*وكما هو معلوم فإن هذه الجهات التي قبلت بالسيد البرهان رئيسا، ووقفت معه، ودعمته، لا أقول غير متوافقة فقط، بل هي متناقضة، ومتعارضة، ومتصارعة في بعض الأحيان، ومطلوب من السيد البرهان التوفيق بين هذه المتناقضات، وبرغم أنه قد برع في أداء هذه المهمة بصورة مبهرة، لكنه كان في بعض الأحيان يعجز عن اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وهذا يحدث بسبب حرصه على التوفيق بين المتناقضين، ولعل أشهر مثال لذلك موقفه من النظام الاطاري، فوقف حائرا لوقت طويل بين وعده للحرية والتغيير، والتزامه للقوات المسلحة، وقد ينطبق المثال أيضا على الموقف من الدعم السريع، ومعلوم أن الدعم السريع تضاعفت قدراته عشرات المرات بعد سقوط الإنقاذ، وما يجري الآن ثمن لتأجيل المواجهة معه، بسبب الأمل في التوافق معه.
*الوضع لم يعد يحتمل أي مباصرات، وليس أمام الرئيس البرهان لحسم المعركة – استسلام أو سلام – إلا أن يوحد جبهته الداخلية، وتوحيد الصف الوطني العسكري والسياسي والشعبي، ولم يعد الأمر يحتاج إلى كثير اجتهاد، فقوى معركة الكرامة معلومة وواضحة، فمع القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، تقاتل في الصفوف الامامية قوات الحركة الشعبية شمال، وقوات حركات الكفاح المسلح، والبراؤون، ودرع السودان، ومستنفرون من كل أهل السودان، والقوى السياسية التي تقف مع القوات المسلحة أيضا معلومة، الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، بزعامة مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، وحزب الأمة بزعامة الأمير عبد الرحمن الصادق المهدي ورئاسة مولانا الدومة، والاحزاب الاتحادية الأخرى، وحزب المؤتمر الشعبي بقيادة الدكتور أمين محمود وحزب المؤتمر الوطني بقيادة مولانا أحمد هارون، ومجموعة تسع بقيادة الدكتور ابو قردة، وحزب العدالة، أما القوى الشعبية فهي لحم وسداة قوى الكرامة، تقودها قيادات الإدارة الأهلية الوطنية الشعبية الجسورة، أمثال الناظر ترك والناظر دقلل، والسلطان سعد بحر الدين، والشيخ المجاهد التوم هجو، وغيرهم، والقيادات الدينية الإسلامية الصوفية والسلفية، والمسيحية، والقيادات النقابية والمهنية، وهؤلاء هم سند الرئيس البرهان، وزاده في معركة الكرامة، وهم سلاحه الماضي لحسم المعركة.