آخر الأخبار

معضلة الخروج من الأزمة.. بين ماضٍ يسكننا ومستقبل ننشده

 

د. الهادي عبدالله أبوضفائر

*من لا يعرف موضع قدميه لا تنقذه سرعة الخطى.. فالتحول الحقيقي يبدأ حين نمتلك شجاعة التخلي عما استنفد غايته إذ لا يمكن أن نصنع مستقبلاً جديداً ونحن نجرّ وراءنا أدوات الماضي. وكما قيل (القطة التي تحلم أن تصبح أسدا عليها أولاً أن تكفّ عن مطاردة الفئران).

*لا يصنع الشخص تحولاً جديداً بعقل أسير لأدوات الماضي، فبعض الموروثات تتحول مع الزمن من ذاكرةٍ تحفظ الهوية إلى قيود وسلاسل تعيق الحركة. وكذلك الأوطان: قد تتسع أرضاً وموارد بينما تضيق بها عقولها.

*كل فجر نحلم بوطنٍ جديد ثم نحاول بناءه بالعقل ذاته الذي صنع أزماته.. نغيّر الأشخاص والحكومات والتحالفات بينما تظل طريقة التفكير ثابتة. فالمشكلة أعمق من تغيير السائق، إنها في العقل الذي يقود والثقافة التي تحدد وجهته.

*نريد وطناً يسع الجميع تحكمه المواطنة وتصونه المؤسسات، ويكون الاختلاف فيه ثراءً لا صراعاً. فالشجرة لا تبلغ العلو إلا بعمق جذورها، وكذلك الأوطان تحفظ من ماضيها ما صلح وتصحيح المعيب وإضافة ما يصنع الغد.. فالبناء لا يبدأ من الصفر وإنما من حيث انتهى الآخرون.

*فإذا ركبت القطار الخطأ انزل في أول محطة فمواصلة الرحلة لا تجعل الاتجاه صحيحاً.. الحكمة في شجاعة التوقف حين نكتشف أننا نسير في الطريق الخطأ.. كثير من الأفراد والأمم واصلوا السير نحو الهاوية لأن الاعتراف بالخطأ كان عندهم أشد ألماً من نتائجه.

*فالخطأ لا يعني الهزيمة. قد نسقط فنتعلم وقد ننكسر فنزداد صلابة لأن الأمم تنهض من تحت الركام. الأبطال لا يُعرفون بسبب إخائهم وإنما بالطريقة التي عادوا بها حين ظن الجميع أن الحكاية انتهت.

*الأرجنتين مثال بليغ على أن السقوط قد يكون بداية لولادة جديدة فقد أثبتت في كأس العالم أن من يملك شجاعة النهوض يستطيع أن يحوّل الانكسار إلى مجد.. وكذلك الأمم

الزمن لا ينتظر أحداً.. كل يومٍ يمضي يأخذ من أعمارناً وكل تردد يؤجل قراراً وكل فرصة مهدرة لن تعود.. تيقن أنك لن تعود أصغر مما أنت عليه اليوم ماذا سنفعل بما تبقّى فالحياة لا تتغير بالانتظار وإنما بالقرار.

*لا تنتظر هدوء العاصفة لتتعلم الإبحار ففي اضطرابها تُختبر القدرة على القيادة.. والأمم لا تتجاوز أزماتها بحظ أفضل وإنما بأناس يعرفون كيف يمسكون بالدفة حين تعلو الأمواج.. لا يحتاج العاقل إلى أن يعيش كل الأخطاء ليتعلم.. يكفي أن يقرأ التاريخ ويصغي إلى تجارب من سبقوه، فيحوّل عثرات الآخرين إلى معرفة تختصر عليه طريق الألم. لكن كثيراً ما جعلنا التاريخ مقبرة للوقائع بدلاً من أن نجعله مدرسة للوعي.

*الوطن لا يُبنى بضربة واحدة ولا ينهض بقرار منفرد إنما ينهض حين يتحول الصبر إلى عمل والتجربة إلى معرفة والمعرفة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى عدالة والعدالة إلى ثقة والثقة إلى مستقبل.

*علّمتنا الحياة أن الألم لا يوقف الزمن قد نفقد عزيزاً أو نسقط من مكان ظنناه لنا ثم تشرق الشمس ويظل الطريق مفتوحاً. فلا تجعلوا من الانكسار وطناً للحزن. فالوطن لا يحتاج إلى إعادة بناء ما هدمته الحرب من بيوت وطرق ومؤسسات فحسب وإنما يحتاج إلى إعادة بناء الإنسان الذي سيبنيه من جديد.

*نحتاج عقلاً يملك شجاعة مغادرة الطريق الخطأ ووعياً يدرك أن بعض ما ورثناه يُراجع ولا يُقدّس.. دولةً تكون فيها المواطنة فوق القبيلة والاختلاف حقاً لا تهمة والتاريخ درساً لا سلاحاً.. يبقى فيها الوطن أكبر من الحزب وأبقى من الحكومة وأوسع من القبيلة وأكرم من أن يكون غنيمة.

*فالدولة التي لا تتغير من الداخل ستعيد إنتاج أزماتها مهما تغيرت الوجوه. والوطن الذي يريد مستقبلاً جديداً بعقل قديم يشبه من يزرع بذرة فول ويريد ان تثمر عنباً

*السؤال الأعمق ليس متى تنتهي الأزمات؟ وإنما متى نكسر العقل الذي يعيد إنتاجها؟ قد تنتهي الأزمة عسكرياً لكنها تعود ما دامت جذورها حية في وعينا.. فالمستقبل يبدأ حين نغيّر العقلية التي صنعت الماضي.

 

*عندها فقط نغادر حياة الفئران لا بحثاً عن أسد يفترس الآخرين وإنما عن إنسان حرّ عاقل يدرك أن قوة الوطن لا تُقاس بقدرته على ابتلاع أبنائه وإنما يمنحهم جميعاً مكاناً آمناً تحت ظله.. فالشجرة حين تظلل لا تسأل العابر عن قبيلته والأرض حين تحمل الخطى لا تميّز بين أقدام أهلها.. هكذا يكون الوطن مظلةً للجميع لا غنيمةً لفئة وبيتاً للاختلاف لا ميداناً للافتراس.