آخر الأخبار

الريف السوداني..من الهامش الاستهلاكي إلى القاطرة الإنتاجية

شيء للوطن

م.صلاح غريبة

 

*يمثل الريف السوداني العمق الاستراتيجي والركيزة الأساسية الشاملة لأي نهوض اقتصادي أو مجتمعي مرتقب.. لم تعد التنمية الريفية مجرد خيار رفاهية أو مطلباً خدمياً عابراً، بل أضحت ضرورة أمن قومي تقتضي تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة الأقاليم والولايات، والانتقال بها من أطر التهميش والمشكلات المزمنة إلى آفاق الإنتاج المستدام. إن توفير الخدمات الأساسية بالتوازي مع ابتكار مبادرات إنتاجية متخصصة وموجهة هو السبيل الوحيد لإعادة التوازن للبدن الاقتصادي والاجتماعي.

*تُقدم التجارب الإقليمية المجاورة نماذج عملية قابلة للاقتباس والتعميق؛ حيث تبرز رؤية التنمية المستدامة القائمة على تحويل الأرياف من تجمعات استهلاكية إلى مجمعات إنتاجية متكاملة. وتعتمد هذه الرؤية على دراسة (الميزة النسبية) لكل منطقة على حدة، وتطوير الحرف والصناعات القائمة، وتقديم التمويل والتدريب والدعم الفني والتسويقي لرفع جودة المنتج المحلي وضمان تدفق القيمة المضافة.

*يحتاج الريف السوداني إلى استراتيجية متعددة المحاور ترتكز على مجالات حيوية ذات تأثير مباشر، لتطوير الإنتاج الزراعي والصناعات المرتبطة به، وإدخال تقنيات الري الحديث في المناطق التي تتطلب ذلك، ومعالجة مشكلة تفتت الحيازات الزراعية عبر التجميعات الإنتاجية، مع إنشاء مجمعات زراعية صناعية معنية بالتصنيع والتغليف لتعظيم القيمة المضافة وتوفير مخزون غذائي محلى يقلل من الفجوات الغذائية والتوسع في تنمية الثروة الحيوانية والأنشطة المكملة، فالاستثمار في السلالات، وإنشاء سلاسل قيمة منسقة تشمل تدوير المخلفات الزراعية، وإنتاج الأسمدة الحيوية، واستغلال الطاقة الشمسية كمصدر نظيف ومستدام للطاقة في المناطق النائية، والتمكين الاقتصادي والمجتمعي للشباب والمرأة بإتاحة منصات تدريبية متخصصة لتطوير مهارات أبناء الريف، ودعم المشروعات الصغيرة والحرف اليدوية والتقليدية، مما يحد مباشرة من الهجرة الريفية نحو المدن أو الخارج، ويعزز استقرار المجتمعات المحلية، وتخصيص الموارد لبناء أسواق مجهزة وشبكات لوجستية تربط مناطق الإنتاج بالمستهلكين، وتتيح منافذ دائمة لتداول المنتجات بأسعار عادلة للمنتج والمستهلك على حد سواء.

*إن النهوض بالريف السوداني يتطلب إطاراً تنفيذياً يتكامل فيه التخطيط الحكومي مع مبادرات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، عبر الجداول الزمنية المحددة وآليات المتابعة الدقيقة.. إن تحويل القرى إلى وحدات إنتاجية ذاتية الاعتماد لن يسهم فقط في تحسين مستوى معيشة المواطنين ورفع الدخل الفردي، بل سيضع أركاناً صلبة لاقتصاد وطني متجدد وقادر على مواجهة التحديات.