آخر الأخبار

تأملات في فلسفة الصمت

 

د . إبراهيم السهلي – المغرب:

حين تضيق اللغة ويختنق الكلام، يصبح الصمت الملاذ ألأخير الذي نحتمي فيه من ضجيج العالم.

كنت أقلب ديوان الزجال المغربي عبد الرحمان المجدوب فوقعت عيناي على حكمة ظلت عالقة في ذاكرتي: الصمت حكمة ومنه تفرقت حكايم لو ما نطق ولد اليمامة، ما يجيه ولد الحنش هايم

توقفت طويلا أتأمل العبارة، كيف يتحول الصمت على نجاة؟ متى تتحول هذه النجاة إلى هلاك؟.

تذكرت ما ينسب إلى الحلاج عن السكون، فبدا لي الصمت بيتا لا يبنى بالحجارة، ولا يشاد سقفه بالقصب، ولا يسكنه إلا من أتعبته اللغة، وصار البوح تجربة شاقة.. فاللغة مستباحة، فكلما ارتفع جدار الصمت، ابتعد المرء خطوة عن الأرض المستباحة، وصار ما في الداخل أكثر حرمة وصفاء.

فهمت الآن لماذا يصمت الإنسان؟

يصمت حين يخاف، حين يحب، حين يكره، حين يعجز عن احتمال ما يعرفه، بل حتى حين لا تعود اللغة قادرة على حمل ما في داخله، وحين تصبح الكلمة أخطر من أن تفهم في غير موضعها، وحين يشعر المرء أن ما في القلب لا يليق به أن يعبر للخارج.. يصمت الإنسان حين يناجي الله، لأن بعض المناجاة تحتاج لصمت طويل، ولأن ما يقوله القلب أبلغ مما يستطيع اللسان قوله.

الصمت عدو الكلام لأنه لا يجامل، صادق، طاهر، بريء من ضجيج العبارات، لهذا اخترت الصمت بيتا فسكنت إليه كما يسكن المنفي أرضا مغتربة، جعلت من جدرانه سرا لا يبوح، ومن سقفه سماء لا تنصت، وأغلقت أبواب الحروف حتى لا تتسرب منه أشيائي، وأسدلت النوافذ حتى لا تصلني ظلال العالم.

كنت وحدي أسكنه، لا ترجمان لوجعي، ولا عبارة تفضح عشقي، ولا كلمة تحمل ما أثقلتني به الأيام، حتى بكائي كان ينام على عتبات السكون، وحنقي يصر في داخلي دون أن يجد منفذا إلى الخارج.

في الليل، كنت أهبط إلى أعمق غرف الصمت، أناجي خالقي في سكون لا يسمعه أحد، أنصت لذبذبات قلبي، إلى ما يعجز عنه لساني عن قوله، وأفهم ما تخفيه العبارة قبل أن تولد.

أحببت الصمت لأنه لا يسأل، لا يعاتب، لا يشكو، لا يقسو، واللغة تقسو حين تستعمل، وقد تتحول الكلمة إلى رصاصة قاتلة.. اخترت الصمت لأحمي نفسي من خطر الكلام، وأحمي من أحب من امتداد هذا الخطر إليه.

لم أفكر في أن أغلق الباب لأحفظ ذاتي، كنت احفظ شيئا آخر لا يمكنني التفريط فيه، هو: الحقيقة.

فالعهود تستطيع أن تعيش في العتمة، تحت نور القلب وحده.. وبعض الأسرار تحتاج إلى شاهد، وبعض العشق لا يحتاج إلى إعلان. يكفي ان لا تصل اللغة إليها كي لا تنكشف، وتغدو تحت سهام التأويل.

الصمت وحده قد يبني جدارا واحدا حول الأنسان، أو قد يبني جدارين، جدار يحمي الإنسان وآخر يحمي الحقيقة. أما الكلام فهو وحده من يملك القدرة على هدم الجدارين.