
السودان والسلطة التشريعية الغائبة… من يملك شرعية القرارات المصيرية؟
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*منذ سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019م، ظل السودان يواجه أزماته الكبرى بسلطة تنفيذية تتخذ القرارات، وسلطة سيادية تتولى شؤون الدولة، بينما غابت المؤسسة التي يفترض أن تراقب ممارسة السلطة وتمنح التشريعات مشروعيتها التمثيلية.. أكثر من سبع سنوات تعاقبت خلالها الحكومات، وتبدلت التحالفات، واندلعت حرب هددت وجود الدولة، دون أن يجد السودان طريقه إلى تأسيس سلطة تشريعية مستقلة.. والمفارقة أن البلاد كلما ازدادت حاجتها إلى مؤسسة تضبط القرارات المصيرية وتوازن السلطات، ازداد اعتمادها على ترتيبات تجمع سلطة التشريع بمن يفترض أن يخضعوا لرقابتها.
*بدأ هذا الاختلال مع الوثيقة الدستورية لعام 2019م، التي نصت على إنشاء مجلس تشريعي انتقالي، وأجازت ممارسة سلطاته مؤقتاً بواسطة اجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء إلى حين تشكيله. غير أن المجلس لم يرَ النور، واستمر غيابه رغم التحولات السياسية والدستورية التي شهدتها البلاد.. وجاءت تعديلات الوثيقة الدستورية لعام 2025م لتعيد النص صراحة على ممارسة مجلسي السيادة والوزراء مهام السلطة التشريعية إلى حين تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي.. وهكذا استمر ترتيب نشأ لمعالجة فراغ مؤقت، رغم التغيرات العميقة التي شهدتها الدولة، وأصبحت المشكلة مرتبطة ببنية ممارسة السلطة وغياب المؤسسة المستقلة التي يفترض أن تراقبها.. وهنا يبرز سؤال تأخر طرحه: كيف تستطيع دولة تخوض حرباً تهدد وجودها، وتواجه تحديات إعادة الإعمار والتسوية السياسية، أن تستمر دون مؤسسة تشريعية تتولى إجازة التشريعات ومساءلة السلطة التنفيذية عن سياساتها وقراراتها؟.
*إن غياب البرلمان يتجاوز مسألة اكتمال الهياكل الدستورية إلى طبيعة توزيع السلطة داخل الدولة.. فالسلطة التشريعية هي الإطار الذي تتحول عبره الإرادة الوطنية إلى قوانين ملزمة، وتخضع فيه السياسات العامة للمناقشة والمراجعة والمحاسبة.. وتكمن المفارقة الدستورية الأعمق في اختلال العلاقة بين من يضع القاعدة القانونية ومن يخضع لأحكامها.. فحين تجتمع سلطة إصدار التشريعات مع سلطة تنفيذها داخل البنية الحاكمة نفسها، تضيق المسافة المؤسسية اللازمة للمساءلة، وتصبح الرقابة أقرب إلى مراجعة السلطة لقراراتها، بدلاً من إخضاعها لمؤسسة مستقلة تمثل الإرادة الوطنية.
*وتتضاعف خطورة هذا الفراغ في زمن الحرب.. فإعلان الحرب والتعبئة العامة والطوارئ، وإقرار التشريعات المرتبطة بالأمن القومي، وتخصيص الموارد للمجهود الحربي، وفرض القيود الاستثنائية على الحقوق والحريات، جميعها مسائل تستوجب سنداً دستورياً واضحاً وضوابط مؤسسية فعالة.. وقد نصت تعديلات الوثيقة الدستورية لعام 2025م على مصادقة السلطة التشريعية على إعلان الحرب وحالة الطوارئ، بما يكشف أهمية الوظيفة التشريعية في القرارات السيادية الكبرى. ورغم اختلاف اختصاصات المؤسسات السيادية والتنفيذية والتشريعية، فإن وجود برلمان مستقل يظل ضمانة لمراجعة الإجراءات الاستثنائية ومدد سريانها وآثارها على المواطنين والمال العام، ومنع تجاوزها للحدود التي تبررها الضرورة.. وتزداد أهمية المؤسسة التشريعية عند الانتقال من الحرب إلى السلام. فقد تستطيع السلطة التنفيذية والقيادة العسكرية اتخاذ القرارات اللازمة لإدارة العمليات والتفاوض على وقف إطلاق النار وفق اختصاصاتهما الدستورية، لكن التسوية السياسية الشاملة التي تعيد تشكيل مؤسسات الدولة وتوزيع السلطة تحتاج إلى مشروعية دستورية تتجاوز أطراف التفاوض.. فالترتيبات الأمنية، ودمج القوات وتسريحها، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، والالتزامات الاقتصادية والسياسية المترتبة على اتفاق السلام، قد تتطلب تشريعات واعتمادات مالية وتعديلات دستورية وآليات رقابة تضمن تنفيذها.. وهنا يظهر خطر الفراغ التشريعي، إذ قد تنجح الأطراف في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ثم تواجه صعوبات دستورية عند الانتقال إلى إقرار التسوية الشاملة وما تتضمنه من التزامات طويلة الأجل.
*وتبرز قضية الحوار السوداني السوداني بوصفها أحد أهم اختبارات المرحلة المقبلة. فالحوار، مهما اتسعت المشاركة فيه، ينتج تفاهمات وتوصيات تحتاج إلى مسار دستوري يحولها إلى قواعد ملزمة.. فمن يجيز مخرجات الحوار؟ ومن يقر التعديلات الدستورية المترتبة عليه؟ ومن يصدر القوانين المنظمة للانتخابات والأحزاب والعدالة الانتقالية؟ ومن يراقب تنفيذ ما يتفق عليه السودانيون؟ إن ترك هذه المسائل للأطراف المشاركة في الحوار وحدها قد ينقل الخلاف من طاولة التفاوض إلى ساحة المشروعية الدستورية، ويجعل مستقبل التسوية رهيناً بموازين القوى التي أنتجتها.. وقد اكتسب هذا النقاش أهمية إضافية مع إعادة تشكيل المحكمة الدستورية بعد سنوات من الغياب.. فوجود قضاء دستوري فاعل يمثل خطوة مهمة لحماية الحقوق ومراجعة دستورية القوانين والفصل في المنازعات التي تدخل ضمن اختصاصه. وتؤدي المحكمة الدستورية والسلطة التشريعية وظيفتين متكاملتين؛ فالأولى تراقب مدى توافق التشريعات والإجراءات مع الدستور، بينما يتولى المشرّع وضع القواعد القانونية ومناقشة السياسات العامة ومساءلة الحكومة. وإعادة بناء القضاء الدستوري تفتح سؤالاً أوسع حول استمرار غياب المؤسسة التي تشكل أحد أهم أركان التوازن بين السلطات.
*وفي المجال الاقتصادي، تبدو الحاجة إلى البرلمان أكثر إلحاحاً.. فإقرار الموازنة العامة، وتنظيم الضرائب والرسوم، والرقابة على الاقتراض والإنفاق العام، ومراجعة الاتفاقيات الاقتصادية الكبرى وأداء المؤسسات الحكومية، جميعها اختصاصات تشريعية ورقابية جوهرية.. وفي بلد استنزفت الحرب موارده، تصبح مراقبة توزيع الإنفاق بين الدفاع والخدمات وإعادة الإعمار، وضبط إدارة الموارد السيادية، وحماية المال العام، مسائل تتصل مباشرة بالأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي واستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين..
لكن الدعوة إلى تشكيل مجلس تشريعي تطرح معضلة جوهرية: من أين تستمد هذه المؤسسة شرعيتها في غياب الانتخابات، وفي ظل النزوح الواسع والانقسام السياسي واستمرار الحرب؟ إن إنشاء مجلس بالتعيين المحض أو وفق محاصصات تعيد إنتاج موازين القوى القائمة قد يضيف مؤسسة جديدة إلى الأزمة.. ولذلك تقتضي الضرورة البحث عن صيغة انتقالية محددة المدة والاختصاصات، تقوم على تمثيل وطني واسع ومعايير معلنة للاختيار، وضمانات للاستقلال والشفافية، مع الفصل بين عضويتها والمناصب التنفيذية، وربط استمرارها باستحقاق الانتخابات العامة.
*ويقتضي ذلك مراعاة تمثيل الولايات والمجتمعات المتضررة من الحرب والنازحين واللاجئين والنساء والقوى المدنية والمهنية، وفق معايير تحول دون احتكار التمثيل أو تحويل المجلس إلى امتداد للسلطة التنفيذية.. كما ينبغي أن تتضمن ترتيبات تشكيله آلية لمراجعة عضويته وتوسيع المشاركة فيه كلما سمحت الظروف، حتى لا تتحول محدودية التمثيل التي تفرضها الحرب إلى واقع سياسي دائم.. ومن الخطأ تأجيل معالجة هذا الفراغ إلى ما بعد انتهاء الحرب، لأن الدولة تحتاج إلى مؤسسة تشريعية تواكب ترتيبات السلام وتراقب تنفيذها، وتوفر الإطار القانوني للتحول السياسي وإعادة الإعمار.. ولذلك ينبغي الشروع منذ الآن في بناء توافق وطني حول تشكيل مجلس تشريعي انتقالي، وفق ترتيبات دستورية واضحة تراعي ظروف الحرب ومتطلبات التمثيل الوطني، وتضمن استقلاله عن السلطة التنفيذية. فانتظار اكتمال التسوية السياسية قد يجعل الدولة تواجه استحقاقاتها الكبرى دون الأداة المؤسسية اللازمة لإجازتها ومراقبتها.
*ويتعين أن يحدد الإطار الدستوري المنظم لهذا المجلس علاقته بمجلس السيادة والحكومة والمحكمة الدستورية، واختصاصاته وآليات مساءلته، وأن يمنع تحويله إلى أداة لإضفاء المشروعية على قرارات اتخذت سلفاً.. فالمطلوب مجلس يمتلك صلاحيات فعلية في التشريع والرقابة والمحاسبة، ويتيح للرأي العام متابعة القرارات التي تتصل بمستقبل الدولة ومواردها ومصير مواطنيها.. إن أخطر ما يمكن أن تتركه الحرب وراءها هو اعتياد الدولة على الحكم بأدوات الاستثناء. فقد تتوقف المعارك العسكرية بينما تستمر آثارها داخل المؤسسات، حين تصبح السلطات المركزة في يد جهة واحدة جزءاً من النظام السياسي اللاحق. وعندئذ قد يكتشف السودانيون أنهم تجاوزوا الحرب، لكنهم ورثوا نظاماً للحكم تشكل تحت ضروراتها واستمر بعد زوال أسبابها.
*لقد أمضى السودان سنوات انتقاله يبحث عن السلطة التي تحكم، والتسوية التي تنهي الحرب، والتوافق الذي يعيد ترتيب المشهد السياسي. وربما آن الأوان لطرح السؤال الأكثر إلحاحاً: من يملك سلطة مراجعة تلك الخيارات وإجازتها ومحاسبة أصحابها باسم الشعب؟..فاستعادة الدولة تقتضي استعادة التوازن بين سلطاتها، وبناء المؤسسات التي تضبط ممارسة الحكم وتمنح القرارات الكبرى مشروعيتها.. وقد يكون الامتحان الأصعب بعد الحرب هو قدرة السودان على الانتقال من شرعية الضرورة إلى شرعية المؤسسات، قبل أن يتحول الغياب الطويل للبرلمان إلى قاعدة غير مكتوبة تحكم مستقبل البلاد.