
شوارع بلا براءة..من يدير جيش الأطفال في عاصمة الجرح؟
أبرار الغازي كشان
*ما أثقل الحرف حين يرتدي ثوب الحقيقة، وما أضيق المساحة حين تنضغط فيها أنفاس الوطن.. عام ونيف أو يزيد، والبلاد تقف على شفير تحولات عجيبة، كأنما فتحت أبوابها على مصاريعها لتقذف في وجوهنا بكتلة من الظواهر السالبة التي لم تكن تشبهنا يوماً
*ليست مجرد عوارض عابرة، بل هي أمراض خبيثة تسللت إلى جسد المجتمع بصورة مخيفة ومرعبة، تنذر بخطر داهِم لا يحتاج إلى بصيرة نافذة لتلافيه، بل يحتاج إلى شجاعة المواجهة قبل أن يغرق المركب بمن فيه.
*خذ عندك انتشار المقاهي والكافيهات التي ظهرت كفطر المطر بصورة مبالغ فيها وبشكل يثير الريبة، لتتحول في كثير من أحيائها إلى بؤر تعج بالانفلات وغياب الرقابة.. وإلى جانبها، يبرز التغول المرعب لآفة المخدرات التي تمد أذرعها الأخطبوطية لتغتال عقول جيل كامل، في حرب ناعمة تستهدف تدمير البنيان النفسي والأخلاقي لأبنائنا.
*لكن المشهد الأكثر إيلاماً وفتكاً بالضمير، هو ذلك الجيش الخفي الذي غزا شوارع العاصمة.. أطفال التسول الذين يملأون الأبصار والدروب، تعال انظر إلى شوارع أم درمان العريقة، وتحديدا في محلية كرري وامتداد شارع الوادي؛ فهناك الكارثة تبدو في أبهى صورها وأقساها.. أطفال تتراوح أعمارهم بين العامين والخامسة عشرة، ينتشرون بصورة خيالية ومفجعة، بلغات شتى، وأجساد متهالكة، وجنسيات مختلفة تتداخل فيها الهويات بلا ملامح واضحة.
*هنا يتوقف العقل طويلاً.. من هؤلاء؟ ومن أين أتوا بهذا الحشد المنظم؟ أطفال في عمر الزهور تتحول طفولتهم إلى واجهات لأجندات خفية ومشبوهة.. ليسوا مجرد ضحايا فقر أو نزوح، بل تشتم في تمددهم رائحة عصابات منظمة، وشبكات إجرامية، وربما أجندات استخباراتية أو تخريبية توظف هؤلاء الصغار في قذارة جمع المعلومات، أو ترويج السموم، أو تنفيذ أعمال فساد ممنهجة.
*حين يُترك أطفال الشوارع بلا رعاية، تتحول براءتهم المسلوبة إلى قنابل موقوتة، وحين تغيب العين الأمنية، يصبح الوطن مستباحاً لكل عابر سبيل ومحترف جريمة.. من قلب هذا الألم، ومن استشعار المسؤولية الوطنية والأخلاقية، نبعث برسالة واضحة لا لبس فيها إلى الجهات الأمنية والشرطية: إن الأمن ليس ترفاً حكومياً، بل هو مسؤولية تضامنية مشتركة، والمواطن بحق هو (العين الساهرة والدرع المساند).
*إننا بحاجة ماسة وعاجلة إلى إعادة إحكام الطوق الأمني وبقوة؛ فلن يتحقق الاستقرار والاطمئنان إلا بتكثيف الحملات، وإقامة نقاط التفتيش الصارمة (التشيك بوينت) على كافة الكباري والمنافذ الحيوية الرابطة بين أم درمان وبحري والخرطوم.
*فالتسيب الحالي في حركة العبور والتنقل هو الثغرة الكبرى التي تنفذ منها هذه السموم وذلك الطابور الخامس من المتسولين مسجلي الخطر.. إن حراسة حدودنا الداخلية لا تقل شأناً عن حراسة الثغور الأمامية، وكل متخاذل أو متساهل في هذه المرحلة يضع يده بطريقة أو بأخرى على فتيل الانفجار الاجتماعي.