آخر الأخبار

موسكو والخرطوم.. هندسة المستقبل الجيوسياسي في توازن القوى العالمي الجديد

تقرير – صلاح غريبة :
تنتظم العاصمة الروسية موسكو هذه الأيام في حراك دبلوماسي، سياسي، وأمني مكثف، بالتزامن مع فعاليات الذكرى السبعين لتدشين العلاقات الثنائية الرسمية بين السودان وروسيا، وهي الشراكة العريقة التي ولدت تاريخياً مع فجر استقلال السودان عام 1956م.. وتأتي هذه الحزم من التحركات رفيعة المستوى في توقيت إقليمي ودولي بالغ التعقيد والحساسية، لتؤكد أن الشراكة بين الخرطوم وموسكو قد تجاوزت الأطر البروتوكولية التقليدية العابرة، لتستقر في عمق العمل الاستراتيجي المشترك الرامي لمواجهة التحديات الوجودية وحماية سيادة الدول.
مظلة الفيتو الروسي:


في المنعطفات التاريخية الحرجة والأزمات الكبرى، تُختبر صلابة التحالفات الدولية وتظهر النوايا الحقيقية للقوى العظمى. ويمثل الموقف الروسي الصارم والأخير في أروقة مجلس الأمن الدولي التابع الأمم المتحدة برهانًا ساطعًا على متانة الحلف الروسي السوداني؛ إذ تصدت موسكو بحزم لا يلين لكافة محاولات التدخل الأجنبي والمساس بالسيادة السودانية الوطنية.
وقد تجلى ذلك الموقف بوضوح عبر استخدام الاتحاد الروسي لحق النقض (الفيتو) لإجهاض مشروع القرار البريطاني الموجه ضد السودان. هذا المشروع، الذي تدثر عبثًا بشعارات الإنسانية البراقة وتحركات حماية المدنيين والمطالبة بالوقف الفوري للعمليات العدائية، كان يخفي في طياته وعبر صياغته أجندات غربية خفية تهدف إلى تكبيل تحركات مؤسسات الدولة السودانية الشرعية، وفرض قيود صارمة على قدرتها السيادية في بسط سلطتها وتأمين مواطنيها. لقد أثبت الفيتو الروسي عمق الفهم والمواكبة الروسية لتعقيدات وتفاصيل المشهد السوداني الداخلي، رافضًا بشكل قطعي استغلال المنابر الأممية كأدوات لفرض الوصاية المبطنة على الخرطوم.

الاختراقات الأمنية والدبلوماسية:


إن قراءة مسار التطور الحالي في العلاقات السودانية الروسية لا تستقيم دون التوقف التحليلي الدقيق عند الأدوار المحورية التي تلعبها أجهزة العمل الخارجي والدبلوماسي بشقيه السياسي والأمني. وفي هذا الصدد، برزت الأهمية الاستراتيجية البالغة للزيارة الرسمية الأخيرة التي قام بها الفريق أحمد إبراهيم مفضل، المدير العام لجهاز المخابرات العامة السوداني، إلى العاصمة الروسية موسكو.
وشكّلت هذه الزيارة رفيعة المستوى اختراقاً أمنياً وعسكرياً في منتهى الأهمية، حيث أسست لطور جديد من التعاون الاستخباراتي الوثيق وتبادل المعلومات الدقيقة والخبرات المتراكمة.. ويسهم هذا التنسيق المباشر في تعزيز الموقف الميداني والسيادي للسودان، ودعم استقرار وتماسك مؤسساته الدستورية في مواجهة المهددات المشتركة وعمليات زعزعة الاستقرار الإقليمي.
هذا الزخم الأمني المتسارع يتكامل مع جدول أعمال دبلوماسي وسياسي مكثف ومجدول بدقة لضبط إيقاع التنسيق الثنائي المشترك خلال المرحلة المقبلة، وتتمثل أبرز محطاته في:
23يونيو الجاري: تشهد موسكو انعقاد أعمال واجتماعات لجنة التشاور السياسي بقيادة وكيل وزارة الخارجية السودانية لضبط وتنسيق المواقف المشتركة.
سبتمبر القادم: تترقب الأوساط السياسية مشاركة وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني في أعمال (المنتدى العربي الروسي)، وهو خطوة استراتيجية تؤكد حضور موسكو الفاعل في الفضائين العربي والإفريقي.
أكتوبر المقبل: يتوّج هذا المسار الدبلوماسي بالزيارة المرتقبة لرئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إلى موسكو، تلبية لدعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمشاركة في القمة الروسية الإفريقية، وسط توقعات بزيارات مكثفة متبادلة لمسؤولين تنفيذيين روس إلى السودان لإحداث نقلة نوعية في مسار التحالفات.
شراكة التنمية:
على المسار الاقتصادي والتنموي، لا يمكن عزل هذا الحراك السياسي عن المكتسبات العملية التي تم تحقيقها في شهر سبتمبر الماضي، إبان انعقاد أعمال اللجنة الوزارية المشتركة بين البلدين. حيث أسفرت تلك الاجتماعات الموسعة عن توقيع حزمة من الاتفاقيات والبروتوكولات الاستراتيجية التي شملت مجالات التجارة، الاستثمار، والصناعة. وتعد روسيا، بما تمتلكه من ثقل اقتصادي دولي وتكنولوجيا متقدمة في قطاعات حيوية، شريكًا بالغ الأهمية لاقتصاد السودان في مرحلته الراهنة والمستقبلية.
ويتطلع السودان بشغف كبير إلى مساهمة روسية محورية متوقعة في ملحمة إعادة الإعمار الشاملة عقب انقشاع الأزمة الحالية.. وتدرك دوائر صنع القرار في الخرطوم أن بناء ما دمرته الحرب والنزاعات يتطلب شريكاً دولياً قوياً يمتلك القدرة الفنية والرغبة الصادقة في الاستثمار الحقيقي طويل الأجل في قطاعات البنية التحتية، التنقيب عن المعادن، الطاقة، والزراعة؛ شريك يبتعد تمامًا عن أسلوب الشروط التعجيزية و الإملاءات السياسية الضيقة التي تنتهجها القوى الغربية. إن نقل وتوطين التكنولوجيا الروسية المتقدمة في السودان سيشكلان بلا شك العمود الأفقي لنهضة اقتصادية مستدامة تعيد للبلاد توازنها الداخلي والإقليمي.
الدبلوماسية الثقافية والشعبية:
وامتداداً لهذا التعاون الشامل والتكامل بين الأجهزة الرسمية والفعاليات الشعبية، تنظم السفارة السودانية في موسكو معرض “أيام الثقافة السودانية” الذي تستضيفه مكتبة الأدب الأجنبي العريقة في الفترة من 8 إلى 10 يونيو الجاري. يمثل هذا الحدث الثقافي البارز منصة حيوية للدبلوماسية الشعبية المكملة للحراك السياسي والمؤازرة له.
وسوف تشمل هذه الأيام عروضاً ومعارض فنية وتراثية تعكس الهوية السودانية الثرية وتاريخ البلاد العريق، على أن تُختتم الفعاليات باحتفالية رسمية كبرى تجمع النخب الثقافية والسياسية من كلا البلدين، تجسيداً لعمق الروابط الإنسانية وتلاقح الثقافات العريقة وتجذر العلاقات التاريخية المشتركة.
كفاءة البعثة الدبلوماسية:


وسط هذه الأمواج المتلاطمة والتحولات الجيوسياسية المتسارعة، تبرز الحاجة الماسة لبلورة قيادة دبلوماسية قادرة على المناورة وحصد المكاسب.. وفي هذا السياق، تجب الإشارة والإشادة المهنية المستحقة بالدور المتميز الذي يقوده السفير السوداني لدى روسيا الاتحادية، سعادة السفير محمد الغزالي سراج، رفقة طاقمه الدبلوماسي والإداري في البعثة.
لقد نجحت البعثة الدبلوماسية السودانية في موسكو في إدارة ملف العلاقات المعقدة باحترافية استثنائية، وتمكنت من تحويل التقارب السياسي والتفاهمات النظرية المشتركة إلى خطوات ملموسة ومكاسب حقيقية على أرض الواقع. وتبرهن هذه الجهود الدؤوبة والمستمرة على أن الدبلوماسية السودانية قادرة، متى ما تسلحت بالرؤية والحنكة، على صناعة الفارق الإيجابي وحماية المصالح العليا للوطن حتى في أشد الأوقات حساسية وضيقاً
ختاماً، فإن الاحتفال بالذكرى السبعين لتدشين العلاقات السودانية الروسية ليس مجرد استدعاء وتغني بماضٍ دبلوماسي عريق، بل هو تدشين عملي وخارطة طريق لربط المصالح الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية المستقبلية للبلدين، قوامها الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة الندية، والوقوف الراسخ جنباً إلى جنب وسط عواصف وتغييرات النظام الدولي الجديد آخذ التشكل.