آخر الأخبار

دولة القرارات المرتبكة… إلى أين يمضي السودان؟

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*ليس أخطر على الدولة من عدوٍ يحمل السلاح، إلا حالة الارتباك التي تتسلل إلى مؤسساتها فتُفقد القرار هيبته، وتُضعف ثقة المواطن في حكومته، وتبعث برسائل سلبية إلى الداخل والخارج بأن إدارة الشأن العام لم تعد تسير وفق قواعد مؤسسية راسخة، وإنما وفق إيقاعٍ متقلب لا يكاد يستقر على حال.

*المتابع لما يجري في الساحة السودانية خلال الآونة الأخيرة يلحظ ظاهرة تستحق الوقوف عندها بجدية. قرار يُعلن على الملأ، ثم تتحدث الأوساط عن سحبه أو تجميده.. وزير يصدر قراراً، ثم يأتي قرار آخر يعاكسه.. مسؤول يُكلَّف اليوم، ثم يُعفى غداً، ثم يعود بعد أيام، بينما يبقى المواطن حائراً: أي القرارات نافذة؟ وأي المؤسسات صاحبة الكلمة الأخيرة؟.

*قد يكون لكل قرار حيثياته، وقد تقتضي المصلحة العامة مراجعة بعض القرارات أو تعديلها، فهذا أمر تعرفه كل الحكومات.. لكن ما لا يمكن أن يصبح أمراً عادياً هو أن يتحول التراجع عن القرارات إلى مشهد متكرر، وأن تغيب البيانات الرسمية التي تشرح للرأي العام أسباب ذلك، وأن تتعدد مراكز القرار بصورة تفتح الباب أمام التأويلات والشائعات أكثر مما تفتح باب الثقة والاطمئنان.

*إن الدولة لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على احترام القرار بعد صدوره، وبوجود مؤسسات تراجع القرار قبل إعلانه، لا بعد أن يصبح حديث الناس ووسائل الإعلام.. لقد خاض السودان حرباً قاسية، وما يزال يواجه تحديات أمنية واقتصادية وإنسانية معقدة، وكان المنتظر أن تدفع هذه الظروف جميع مؤسسات الحكم إلى أعلى درجات التنسيق والانضباط الإداري، لأن الدولة في أوقات الأزمات تحتاج إلى خطاب واحد، ورؤية واحدة، وإدارة واحدة، لا إلى رسائل متناقضة تُربك المواطنين وتُضعف ثقة الشركاء.

*وإذا انتقلنا إلى الولايات، فإن الصورة لا تبدو مختلفة كثيراً.. ففي أكثر من ولاية، تتكرر التعديلات في الحكومات التنفيذية بصورة تثير التساؤلات.. وفي ولاية نهر النيل، على سبيل المثال، شهدت الحكومة تعديلات متلاحقة أُعيد فيها توزيع عدد من الوزراء التنفيذيين بين الحقائب المختلفة.. ولا يتعلق السؤال هنا بالأشخاص، فالجميع يأتون ويغادرون، ولا أحد يحتكر المنصب العام.. ولكن السؤال الحقيقي هو: ما هي الفلسفة التي تحكم هذه التعديلات؟ وهل جاءت بعد تقييم علمي للأداء؟ أم أنها مجرد تدوير للأسماء ذاتها.

*إذا كان الوزير قد نجح في موقعه، فلماذا يُنقل؟ وإذا كان قد أخفق، فلماذا يُنقل إلى موقع آخر بدلاً من محاسبته أو استبداله بكفاءة جديدة؟ وإذا كانت المشكلة في السياسات، فما الذي سيتغير بمجرد تبديل المواقع؟.

*إن السودان مليء بالكفاءات والخبرات الوطنية، داخل البلاد وخارجها، ومن الظلم أن تظل دوائر الاختيار محصورة في أسماء محدودة تتنقل بين المناصب نفسها منذ سنوات، بينما تبقى الطاقات الأخرى بعيدة عن المشاركة في صناعة القرار.

*وهنا يبرز سؤال لا بد أن تطرحه كل دولة تحترم مؤسساتها: أين أجهزة تقييم الأداء؟ أين تقارير المتابعة؟ أين مراكز المعلومات التي ترفع للحكام مؤشرات النجاح والإخفاق؟ وأين بيوت الخبرة التي تقدم البدائل قبل اتخاذ القرار؟..فالقرار الرشيد لا يولد في لحظة، وإنما هو ثمرة دراسات، وتشاور، وتحليل للبيانات، واستشراف للنتائج. أما القرارات التي تُبنى على ردود الأفعال، فإنها كثيراً ما تحتاج إلى قرارات أخرى لتصحيحها، ثم إلى قرارات ثالثة لمعالجة آثار التصحيح، وهكذا تدخل الدولة في دائرة لا تنتهي من الارتباك.

*إن السودان اليوم لا يحتاج إلى كثرة التعديلات، بل يحتاج إلى ثبات المنهج. ولا يحتاج إلى تعدد مراكز القرار، بل إلى وضوح الصلاحيات. ولا يحتاج إلى تبديل الوجوه وحده، بل إلى تغيير طريقة التفكير في إدارة الدولة.

*إن المرحلة تفرض مراجعة شاملة لآليات صناعة القرار، وتعزيز المؤسسية، واحترام التسلسل الإداري، والالتزام بالشفافية عند إصدار القرارات أو تعديلها، حتى يدرك المواطن أن ما يصدر باسم الدولة يصدر بعد دراسة وتوافق، وليس نتيجة اجتهادات متعارضة أو مواقف متغيرة.

*إن قوة الحكومات لا تُقاس بسلطتها على إصدار القرارات، وإنما بقدرتها على صناعة قرارات رصينة لا تحتاج إلى التراجع عنها بعد ساعات أو أيام. وهيبة الدولة لا تتحقق بكثرة الأوامر، بل باستقرارها واحترامها وتنفيذها.

ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته: هل آن الأوان لأن تنتقل الدولة من مرحلة إدارة الأزمات بالاجتهاد إلى مرحلة إدارة الدولة بالمؤسسات؟

*إن التاريخ لا يرحم الحكومات التي تُهدر وقتها في معالجة آثار قراراتها، بينما كان الأولى أن تُحسن صناعة تلك القرارات منذ البداية. والسودان، وهو يواجه واحدة من أدق مراحله، لا يحتمل رفاهية التخبط، ولا يملك ترف إضاعة الوقت. إنه يحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها، واضحة في قراراتها، صادقة مع شعبها، وقادرة على أن تجعل من احترام المؤسسية أساساً للحكم، لا مجرد شعار يُرفع عند الحاجة.