آخر الأخبار

الذكاء الاصطناعي والعقيدة العسكرية الجديدة… من يقود حروب المستقبل؟

د. ميمونة سعيد ابورقاب

*لم يعد السؤال المطروح في الأوساط العسكرية الدولية هو:  هل سيغيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة الحروب؟ بل أصبح: إلى أي مدى ستتمكن الدول من توظيفه قبل أن يغيّر هو موازين القوة العالمية؟.

*يقف العالم اليوم أمام ثورة عسكرية جديدة لا تعتمد على كثافة النيران أو حجم الجيوش بقدر اعتمادها على سرعة البيانات، ودقة الخوارزميات، والقدرة على اتخاذ القرار في أجزاء من الثانية.

*لقد شهد التاريخ تحولات كبرى في الفكر العسكري مع ظهور البارود، ثم الدبابات، فالقوة الجوية، والأسلحة النووية، وصولًا إلى الثورة الرقمية. واليوم يفتح الذكاء الاصطناعي فصلًا جديدًا في تاريخ العقيدة العسكرية، فصلًا لا تُقاس فيه القوة بعدد الجنود، وإنما بقدرة المؤسسة العسكرية على جمع المعلومات، وتحليلها، والتنبؤ بما سيحدث قبل وقوعه.

*إن العقيدة العسكرية في مفهومها الحديث ليست مجرد مجموعة من المبادئ القتالية، وإنما فلسفة متكاملة لإدارة القوة الوطنية في زمن السلم والحرب.. وهذه الفلسفة أصبحت تتغير بسرعة غير مسبوقة نتيجة التطور الهائل في تقنيات التعلم الآلي، وتحليل البيانات الضخمة، والرؤية الحاسوبية، والأنظمة ذاتية التشغيل. فالجيوش التي كانت تعتمد في الماضي على الخبرة البشرية وحدها، أصبحت اليوم تعتمد على منظومات ذكية قادرة على معالجة ملايين البيانات القادمة من الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وأجهزة الاستشعار، والاستخبارات الإلكترونية في لحظات معدودة.

*وهنا يكمن جوهر التحول الحقيقي؛ إذ لم يعد التفوق العسكري مرهونًا بامتلاك السلاح الأكثر تدميرًا، بل بامتلاك القدرة على إنتاج المعرفة العسكرية بصورة أسرع من الخصم. فالقرار الصحيح الذي يُتخذ في ثانية واحدة قد يوفر آلاف الأرواح ويغيّر مسار معركة كاملة. ولهذا أصبح الذكاء الاصطناعي يمثل العقل الرقمي للمؤسسة العسكرية الحديثة.

*ومن أبرز المجالات التي أحدث فيها الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية مجال القيادة والسيطرة. ففي الحروب التقليدية كانت المعلومات تنتقل عبر مستويات متعددة من القيادة، مما يؤدي إلى بطء في اتخاذ القرار، وربما فقدان عنصر المبادأة.. أما اليوم، فإن الأنظمة الذكية تستطيع دمج المعلومات الواردة من جميع مصادر الاستطلاع والاستخبارات في لوحة عمليات واحدة، مع تقديم تقديرات فورية للتهديدات، واقتراح بدائل عملياتية متعددة، وتحليل النتائج المتوقعة لكل خيار.. وهذا لا يلغي دور القائد العسكري، بل يمنحه رؤية أكثر وضوحًا تسمح له بالتركيز على التفكير الإستراتيجي بدلًا من الانشغال بمعالجة الكم الهائل من البيانات.

*وفي مجال الاستخبارات، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم أدوات الإنذار المبكر.. فالصور الفضائية التي كانت تحتاج إلى أيام لتحليلها، أصبحت تُفحص خلال دقائق بواسطة خوارزميات قادرة على اكتشاف التحركات العسكرية، وتحديد مواقع المعدات، ورصد أنماط النشاط غير الاعتيادية. كما أصبح بالإمكان تحليل ملايين الرسائل والإشارات الإلكترونية لاكتشاف مؤشرات مبكرة على تحركات الخصوم أو نواياهم العملياتية. إن هذه القدرة على التنبؤ تمنح القادة أفضلية استراتيجية قد تمنع اندلاع الصراع أصلًا، وهو ما يجعل الذكاء الاصطناعي أداة للردع بقدر ما هو أداة للقتال.

*أما في ميدان العمليات، فقد فرضت الأنظمة غير المأهولة واقعًا جديدًا.. فالطائرات المسيّرة، والمركبات البرية ذاتية الحركة، والزوارق البحرية الذكية، لم تعد مجرد وسائل استطلاع، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة القتال الحديثة.. وهي تنفذ مهام الاستطلاع، والمراقبة، والاستهداف، والدعم اللوجستي، والعمل في البيئات عالية الخطورة، مما يقلل الخسائر البشرية ويزيد من مرونة القوات المسلحة.. ومع تطور تقنيات التعاون بين المنصات الذكية، بات من الممكن تشغيل أسراب من المسيّرات تعمل بتنسيق شبه ذاتي لتنفيذ مهام معقدة يصعب على الوسائل التقليدية إنجازها.

*لكن القوة العسكرية لا تُبنى في ميدان المعركة وحده، بل تبدأ من قواعد الإمداد والصيانة والتخطيط.. وهنا أيضًا يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه عنصرًا حاسمًا في إدارة الموارد العسكرية.. فمن خلال تحليل بيانات الاستخدام والأعطال، يمكن التنبؤ باحتياجات الصيانة قبل حدوث الأعطال، وتنظيم الإمدادات بكفاءة أعلى، وتقليل الهدر، وضمان استمرار الجاهزية القتالية.. إن الجيش الذي يعرف احتياجاته اللوجستية مسبقًا يمتلك ميزة استراتيجية قد تكون حاسمة في الحروب الطويلة.

*ولا يقل تأثير الذكاء الاصطناعي أهمية في مجال إعداد المقاتل. فقد تطورت برامج المحاكاة العسكرية إلى مستويات مذهلة، حيث يستطيع الجندي أو القائد التدرب داخل بيئة افتراضية تحاكي ساحات القتال الواقعية بكل تفاصيلها، مع تغير مستمر في الظروف والتهديدات. وتقوم الأنظمة الذكية بتحليل أداء المتدرب، وتحديد جوانب القوة والقصور، ثم تصميم برامج تدريبية تناسب احتياجاته الفردية، وهو ما يرفع كفاءة العنصر البشري ويعزز جاهزية الوحدات.

*غير أن هذه الثورة التقنية تطرح في المقابل تحديات عميقة.. فكلما ازدادت الجيوش اعتمادًا على الأنظمة الرقمية، أصبحت أكثر عرضة للهجمات السيبرانية. وقد يؤدي اختراق منظومة قيادة أو التلاعب ببياناتها إلى نتائج تفوق في خطورتها استخدام الأسلحة التقليدية.. لذلك أصبح الأمن السيبراني جزءًا أصيلًا من العقيدة العسكرية الحديثة، ولم يعد مجرد وظيفة تقنية، بل ميدانًا عملياتيًا متكاملًا يتطلب قدرات هجومية ودفاعية عالية.

*كما يثير الذكاء الاصطناعي تساؤلات قانونية وأخلاقية غير مسبوقة. فمن يتحمل المسؤولية إذا أخطأت منظومة ذاتية التشغيل في تحديد هدف عسكري؟ وهل يمكن منح الآلة سلطة اتخاذ قرار استخدام القوة؟ هذه الأسئلة أصبحت محورًا لنقاشات دولية واسعة، لأن الحفاظ على المبادئ الإنسانية في النزاعات المسلحة يظل شرطًا أساسيًا مهما بلغت درجة تطور التكنولوجيا. ولهذا تتجه غالبية العقائد العسكرية الحديثة إلى التأكيد على بقاء القرار النهائي باستخدام القوة بيد الإنسان، مع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة لا بديلًا عن القائد.

*إن المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي لم تعد منافسة علمية فقط، بل أصبحت منافسة على صياغة النظام الدولي القادم.. فالدول التي تستثمر في البحث العلمي، والتعليم التقني، والصناعات الدفاعية المتقدمة، وبناء الكفاءات الوطنية، ستكون الأقدر على حماية أمنها القومي وصيانة استقلال قرارها الإستراتيجي.. أما الدول التي تكتفي باستيراد التقنيات دون امتلاك المعرفة، فإنها قد تجد نفسها معتمدة على الآخرين في أكثر المجالات حساسية.

*ومن هذا المنطلق، فإن العالم العربي أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء منظوماته الدفاعية على أسس علمية حديثة. فامتلاك الذكاء الاصطناعي لا يعني شراء برامج جاهزة، بل يعني بناء منظومة وطنية متكاملة تشمل الجامعات، ومراكز البحوث، والصناعات العسكرية، وشركات التكنولوجيا، والمؤسسات الأمنية، بما يضمن إنتاج المعرفة محليًا وتحويلها إلى قوة دفاعية مستدامة. كما يتطلب الأمر تطوير التعليم العسكري ليشمل علوم البيانات، والأمن السيبراني، والروبوتات، وتحليل المعلومات، إلى جانب العلوم العسكرية التقليدية.

*ويبقى العامل البشري هو حجر الزاوية في أي عقيدة عسكرية ناجحة. فالآلة مهما بلغت دقتها لا تمتلك البصيرة الإستراتيجية، ولا تستوعب الأبعاد السياسية والإنسانية للحروب، ولا تتحمل المسؤولية الأخلاقية. إن القائد العسكري المحترف سيظل صاحب القرار، بينما يعمل الذكاء الاصطناعي على توسيع قدراته وتسريع إدراكه للموقف العملياتي. وهذه العلاقة التكاملية هي التي ستحدد شكل الجيوش الأكثر نجاحًا في المستقبل.

*إن القرن الحادي والعشرين يشهد انتقال القوة من ساحات القتال التقليدية إلى فضاءات البيانات والخوارزميات. وستكون السيادة العسكرية في المستقبل للدول التي تستطيع الجمع بين الإنسان المؤهل، والعقيدة المرنة، والتكنولوجيا المتقدمة، والقدرة على الابتكار المستمر. فالذكاء الاصطناعي ليس سلاحًا جديدًا فحسب، بل هو بيئة استراتيجية جديدة تعيد تعريف مفاهيم الردع، والقيادة، والسيطرة، والانتصار.

*إن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تتأخر في استيعاب الثورات العسكرية تدفع ثمن ذلك لعقود طويلة.. أما الأمم التي تستثمر في المعرفة، وتبني قدراتها الذاتية، وتطور عقيدتها بما يتوافق مع متطلبات العصر، فإنها لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي مستقبلها. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد التفوق العسكري يقاس بما تمتلكه الدولة من أسلحة، وإنما بما تمتلكه من عقول قادرة على تحويل التكنولوجيا إلى قوة، والقوة إلى أمن، والأمن إلى استقرار دائم.