الأمم لا تسقط حين تفتقر.. بل حين تتوقف عن القراءة
عنار شوار- الجزائر:
في زحام هذا العصر، لا تنتصر الأمم بكثرة ما تملك، بل بعمق ما تقرأ. فالقراءة ليست هوايةً للنخبة، ولا ترفًا ثقافيًا يُمارس في أوقات الفراغ، بل هي الشرارة الأولى لكل حضارة، والجسر الذي تعبر عليه الشعوب من ظلام التخلف إلى نور الريادة.
عجيبٌ أمرنا نحن أبناء الكلمة الأولى: (اقرأ)، ومع ذلك أصبح الكتاب في حياتنا غريبًا، بينما جعلت أممٌ أخرى القراءة مشروعًا وطنيًا، وغرست حب المعرفة في أطفالها قبل أن تعلّمهم الحساب. قرأت، فتعلّمت، ثم صنعت، فابتكرت، حتى غدت تقود العالم بالعلم لا بالضجيج.
أما أسلافنا، فلم يكتفوا بحفظ المعرفة، بل حاوروها، ونقدوها، وأضافوا إليها، حتى تحولت مكتباتهم إلى مصانع للأفكار، وعقولهم إلى مشاعل أضاءت العالم. ومن ذلك النور استلهمت أممٌ كثيرة طريقها نحو النهضة.
أما نحن، فكثيرًا ما انشغلنا بما يُستهلك في لحظة، وأهملنا ما يبني الإنسان لعقود. صار الوقتيُهدر في متابعة التوافه، بينما ينتظر كتابٌ على الرف عقلًا يوقظه، وروحًا تحاوره.
إن الأمة التي تقرأ لا تُهزم، لأنها تمتلك القدرة على أن تتجدد كل يوم. أما الأمة التي تهجر الكتاب، فإنها تتنازل عن حقها في المستقبل بملء إرادتها.
فلنُعد للكتاب مكانه، وللقراءة هيبتها، وللعقل سلطانه؛ فالأمم العظيمة لا تُولد من الصدفة، وإنما تُولد من صفحةٍ تُقرأ، وفكرةٍ تُلهم، وعقلٍ لا يتوقف عن التعلّم. ففي أول الطريق كانت (اقرأ).. وفي آخره يكون المجد.