آخر الأخبار

مجرد أوهام.. تصريحات إثيوبيا تصطدم بالقانون الدولي

 

عمرو خان

(مجرد أوهام.. وتتصادم مع القانون الدولي).. هكذا جاء رد مصدر مسؤول مصري على التصريحات الإثيوبية الأخيرة بشأن مياه نهر النيل، والتي تضمنت حديثًا عن قدرة إثيوبيا على التحكم في تدفقات المياه إلى دولتي المصب، مصر والسودان، وحقها في إنشاء المزيد من السدود على مجرى النهر وفقًا لما تراه متوافقًا مع مصالحها.

 

*الرسالة المصرية، وإن جاءت في صيغة مقتضبة، حملت دلالات واضحة، مفادها أن التعامل مع نهر النيل باعتباره موردًا مائيًا خاضعًا للإرادة المنفردة لدولة المنبع، أو أن لإثيوبيا الحق في اتخاذ ما تراه من إجراءات دون مراعاة حقوق ومصالح دولتي المصب، يتعارض مع القواعد المستقرة في القانون الدولي الحاكم للأنهار الدولية.

*فالنيل ليس نهرًا داخليًا لدولة واحدة، ولا موردًا مائيًا يمكن لأي طرف أن يتعامل معه باعتباره ملكية خاصة. إنه نهر دولي تتشارك فيه دول حوض النيل، وتتشابك حوله حقوق ومصالح تاريخية وقانونية واقتصادية وإنسانية تمتد من دول المنبع إلى دول المصب ومن هنا، فإن جوهر الخلاف بين مصر وإثيوبيا لا يتعلق برفض حق إثيوبيا في التنمية أو الاستفادة من مواردها الطبيعية، كما تحاول بعض الخطابات السياسية والإعلامية تصوير الأمر، وإنما يتعلق بالكيفية التي تتم بها إدارة هذه الموارد، وبضرورة ألا تتحول التنمية في دولة إلى ضرر أو تهديد لدول أخرى تشترك معها في مورد مائي عابر للحدود.

*المشكلة الأساسية تكمن في مفهوم (التصرف الأحادي) الذي أصرت إثيوبيا على ممارسته خلال السنوات الماضية، خصوصًا في ملف سد النهضة. فإقامة المشروعات المائية الكبرى على الأنهار الدولية لا يمكن فصلها عن آثارها المحتملة على الدول الأخرى، ولا يمكن أن تصبح إرادة دولة واحدة بديلًا عن التفاهم والتنسيق والالتزام بالقواعد الدولية.

*والحديث عن أن إثيوبيا تستطيع بناء المزيد من السدود على النيل وفقًا لما تراه مناسبًا لمصالحها، دون النظر إلى تدفقات المياه وحقوق دولتي المصب، يفتح الباب أمام منطق بالغ الخطورة في إدارة الأنهار الدولية؛ إذ إن قبول هذا المنطق يعني عمليًا منح دولة المنبع حق تقرير مستقبل النهر بأكمله، وهو أمر لا يمكن أن يكون أساسًا مستقرًا للعلاقات بين دول الحوض

كما أن القضية لا تختزل في أرقام الحصص المائية وحدها، رغم أهمية الاتفاقيات التاريخية المنظمة لاستخدام مياه النيل.. فهناك منظومة أوسع من المبادئ والقواعد التي تحكم استخدام المجاري المائية الدولية، وفي مقدمتها الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن للدول الأخرى، والتعاون وتبادل المعلومات، والإخطار بالمشروعات التي يمكن أن تكون لها آثار عابرة للحدود.

*ولهذا فإن الموقف المصري ينطلق من قاعدة أساسية: مياه النيل ليست ملكًا حصريًا لأي دولة، ولا يجوز تحويلها إلى أداة للضغط السياسي أو فرض الأمر الواقع.

*وفي المقابل، فإن مصر لا تنكر على إثيوبيا حقها في التنمية، ولا تعترض من حيث المبدأ على إقامة مشروعات لتوليد الطاقة أو دعم الاقتصاد الإثيوبي. لكن هذا الحق، مثل أي حق في إطار العلاقات الدولية، ليس مطلقًا، وإنما يمارس في حدود احترام حقوق الآخرين وعدم الإضرار بمصالحهم الأساسية.

*وهنا تظهر أهمية العودة إلى التفاوض باعتباره الطريق الأكثر واقعية لمعالجة الخلاف. فدول حوض النيل ليست أمام معركة صفرية، يكون فيها مكسب دولة خسارة لدولة أخرى، وإنما أمام مورد مشترك يمكن إدارته بصورة تحقق مصالح الجميع إذا توافرت الإرادة السياسية الحقيقية.

*أما استمرار الخطاب القائم على فرض الأمر الواقع، أو تقديم التصرفات الأحادية باعتبارها حقًا سياديًا مطلقًا، فلن يؤدي إلا إلى تعقيد الأزمة وإضعاف فرص الوصول إلى اتفاق مستدام يضمن مصالح دول المنبع والمصب على حد سواء

والرسالة المصرية في هذا السياق تبدو واضحة: التنمية حق، لكن الإضرار بالآخرين ليس حقًا. والسيادة لا تعني تجاهل الالتزامات الدولية.

*لذلك، فإن التصريحات التي تتحدث عن قدرة إثيوبيا على التصرف في مياه النيل وفقًا لما تراه مناسبًا لمصالحها، دون اعتبار كافٍ لمصالح دولتي المصب، لا تبدو في جوهرها سوى استمرار لنهج أحادي يصطدم بمبادئ القانون الدولي وبطبيعة الأنهار العابرة للحدود.

*نهر النيل أكبر من أن يكون ساحة لفرض الإرادات.. وهو مورد مشترك يستوجب التفاهم والتنسيق، لا الانفراد والاحتكار.. ومن المنبع إلى المصب، تبقى القاعدة الأهم أن حقوق الدول لا تُدار بمنطق القوة، وإنما بالقانون والاتفاق والتعاون.

*وفي النهاية، فإن حماية حقوق مصر والسودان المائية لا تعني حرمان إثيوبيا من التنمية، كما أن حق إثيوبيا في التنمية لا يمنحها تفويضًا مفتوحًا لإعادة تشكيل تدفقات النهر منفردة. وبين الحقين، يبقى الطريق الوحيد القابل للاستمرار هو اتفاق عادل وملزم، يحفظ مصالح الجميع ويضع حدًا للتصرفات الأحادية في واحد من أهم الأنهار الدولية في العالم.

كاتب صحفي مصري