ظاهرة كارثية تهدد الزراعة النيلية بالولاية الشمالية(2-2)
- تآكل ضفاف النيل بالولاية الشمالية لإختفاء الطمي
- بحيرة السد أصبحت مصيدة طبيعية للطمي المنقول لمناطق المصب
- إرتفاع منسوب المياه الجوفية بفعل البحيرة أعاد تشكيل أنماط الزراعة بالولاية الشمالية
- ذكريات الحاجة آمنة تجسد كارثة تحول الجروف النيلية الخضراء إلى صحراء جرداء
(الصور)
سد مروي.. تاثير بالغ على الزراعة النيلية التقليدية
إختفاء الزراعة في الجروف
معاذ عبد الرحمن عبده
حسينارتي ــ عادل الحاج
منذ آلاف السنين ظل نهر النيل يمنح الحياة للقرى الممتدة على ضفتيه في شمال السودان حيث كانت الجروف الزراعية تتزين كل موسم بطبقات الطمي الداكنة التي يخلفها انحسار المياه فتتحول الأرض إلى بساط خصب يزرع فيه الأهالي الذرة والخضروات والفول ومعظم انواع البقوليات.. لكن منذ قيام سد مروي عام 2009 بدأ مشهد النهر يتبدل تدريجياً في عدد من المناطق الواقعة شمال السد وجنوبه.. اختفى الطمي الذي اعتاد الناس رؤيته كل عام وحلت مكانه تربة رملية فضية ناعمة لا تمسك الماء ولا تنبت الزرع إلا بمشقة كبيرة.. ومع مرور السنوات تعاظمت شكاوى المزارعين من تراجع الإنتاج وتدهور خصوبة الجروف حتى أصبح السؤال الأكثر حضوراً في المجالس والأسواق: هل حجز السد الطمي خلفه؟ وهل دخلت الزراعة التقليدية او الجروف مرحلة الخطر؟.. التحقيق التالي يرصد شهادات ميدانية من المهتمين بالزراعة و المزارعين ويستعرض الرأي العلمي حول العلاقة بين السدود والطمي.. ويبحث عن مستقبل الزراعة النيلية بعد هذا التحول الكبير.
حسرة بالغة:

يقول،معاذ عبد الرحمن عبده، أحد المهتمين بالشأن الزراعي،مبديا حسرة بالغة على ما آلت إليه أوضاع تلك الأراضي الزراعية، مؤكداً أن الزراعة التقليدية في الجروف أصبحت مهددة بالإندثار بسبب التراجع الحاد في ترسبات الطمي التي كانت تتجدد سنوياً مع الفيضان، وتمنح التربة خصوبتها الطبيعية دون حاجة إلى أسمدة أو مدخلات زراعية مكلفة.. ويرى أن هذا التغير بدأ بصورة واضحة منذ إنشاء سد مروي في العام 2009م، حيث أصبحت كميات كبيرة من الطمي تُحتجز خلف جسم السد، ولا تعود تنساب كما في السابق مع مياه النهر نحو المناطق الزراعية الواقعة شمالاً.. ويشير إلى أن الطمي كان يترسب بالتناوب بين الضفتين الشرقية والغربية، لا سيما في المناطق الواقعة عند منحنى النيل، الأمر الذي أسهم لسنوات طويلة في إستقرار الزراعة التقليدية وتجدد خصوبة التربة بصورة طبيعية.. ويتابع، معاذ عبد الرحمن، حديثه قائلا بآسى واضح:
المشهد تبدل بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة، إذ إختفت الطبقات الطينية الداكنة التي كانت تغطي الجروف بعد إنحسار المياه، وحلت محلها رمال بيضاء (ميتة زراعيا، حتى المحاصيل التي عُرفت تاريخياً بقدرتها على النمو في الأراضي الرملية المختلطة بالطمي، مثل (الجُرم)، والبطيخ والشمام، والقرع بنوعيه اليقطين والريفي، باتت تعاني من ضعف الإنتاج أو إختفت زراعتها تماماً في بعض المناطق.. هذا التغير لم يقتصر على تراجع الإنتاج الزراعي فحسب، بل إمتد ليؤثر على نمط الحياة الريفية بأكمله، بعدما فقد كثير من الأهالي مورد رزق ظل متوارثاً عبر الأجيال.
ويخلص، معاذ عبد الرحمن عبده، إلى القول إنه يكاد يجزم بأن إنشاء سد مروي يمثل السبب المباشر فيما وصفه بـ(النكسة الزراعية) التي تعيشها مناطق الجروف حالياً، مضيفاً أن القضية لم تعد مجرد تغيرات طبيعية عابرة، بل تحولت إلى أزمة بيئية وإقتصادية تهدد إرثاً زراعياً ظل يشكل جزءاً أصيلاً من هوية المجتمعات النيلية في الولاية الشمالية.
ذكريات الحاجة آمنة:
تستعيد الحاجة، آمنة سيد أحمد عبيد، شريطاً طويلاً من الذكريات المرتبطة بالزراعة على ضفاف نهر النيل، وهي تتحدث بحسرة عن التحولات البيئية التي طرأت على المنطقة خلال العقود الأخيرة، تقول إن والدها، رحمه الله، ظل يعمل بالزراعة لأكثر من سبعين عاماً، وكان يعتمد بصورة أساسية على زراعة الجروف الممتدة بمحاذاة النهر، تلك الأراضي الخصبة التي كانت تتجدد تربتها سنوياً بفعل الطمي القادم مع الفيضان.. وتضيف أنها منذ طفولتها كانت ترافق والدها إلى الحقول للمشاركة في بعض الأعمال الزراعية البسيطة، مثل حصد العلف للدواب التي كانوا يربونها، إلى جانب ما يعرف محلياً بـ(رمي التيراب)، أي نثر البذور في الجروف الزراعية التي كانت تشكل مصدر الرزق الرئيسي للأهالي.. وتواصل الحاجة آمنة سرد ذكرياتها مع الجروف النيلية قائلة:
المشهد تغيّر بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، إذ تحولت الجروف الخضراء إلى أرض يابسة لا حياة فيها، بعدما غطتها التربة الرملية عقب إنشاء سد مروي، الأمر الذي أدى إلى تراجع خصوبة الأراضي وإختفاء مساحات واسعة من الرقعة الزراعية التقليدية التي طالما إعتمد عليها السكان في إنتاج الذرة والخضروات والأعلاف،فإضطر الأهالي تحت وطأة هذا الواقع الجديد الإتجاه نحو الزراعة في الأراضي المحاذية للقرية بإستخدام مضخات الديزل لإستخراج المياه، قبل أن يتجه بعضهم مؤخراً إلى إستخدام الطاقة الشمسية بعد الإرتفاع الكبير في أسعار الوقود، خاصة الديزل، الذي بات يشكل عبئاً ثقيلاً على المزارعين ويستنزف معظم عائداتهم الزراعية.
وبرغم المعاناة والذكريات المرة التي تصفها، لا تخفي الحاجة آمنة تمسكها بالأمل، إذ ختمت حديثها لـ(أصداء سودانية) بالدعاء بأن ينعم السودان بالأمن والاستقرار، وأن يستعيد عافيته الزراعية والإقتصادية، ليعود إلى مكانته القديمة باعتباره سلة غذاء العالم، مؤكدة أن الأرض ما زالت قادرة على العطاء متى ما توفرت لها مقومات الزراعة والدعم اللازم للمزارعين، فالتغير لم يقتصر على تراجع الإنتاج الزراعي فحسب، بل إمتد ليؤثر على نمط الحياة الريفية بأكمله.
تاثيرات مورفولوجية:

وفي هذا الصدد يقول مصدر زراعي معاشي، فضل حجب إسمه، إن القطاع الزراعي في السودان يواجه تحديات متفاقمة، أبرزها تآكل ضفاف الأنهار نتيجة تراجع كميات الطمي التي باتت تُحتجز خلف السدود المختلفة.. وأوضح أن هذا التحول ألقى بظلاله السالبة على أنماط الزراعة التقليدية، لا سيما في الولاية الشمالية، التي تأثرت بصورة واضحة منذ إنشاء سد مروي عام 2009م.
وفي سياق التحولات البيئية التي أعقبت قيام سد مروي، تشير دراسات متخصصة إلى أن حجز كميات كبيرة من الطمي خلف السدود يُعد من أبرز العوامل التي أعادت تشكيل النظام النهري والزراعي في شمال السودان.. فقد أوضحت أبحاث حول التأثيرات المورفولوجية أسفل السد أن تشغيله أدى إلى تغيّرات في طبيعة مجرى النيل وتركيب قاعه نتيجة انخفاض الرواسب المحمولة مع المياه، وهو ما ينعكس مباشرة على خصوبة التربة على ضفاف النهر.
ويُعد الطمي تاريخياً المصدر الأساسي لتجديد خصوبة الجروف الزراعية، إذ كانت الفيضانات السنوية تحمل كميات غنية من المغذيات الطبيعية، لكن إحتجازه داخل بحيرة السد حرم الأراضي من هذا الإمداد الحيوي.. وتؤكد دراسات أخرى تناولت الأثر البيئي والإقتصادي للسد أن هذه التحولات لم تكن معزولة، بل إرتبطت بتغيرات أوسع في النظم الزراعية وأنماط الإنتاج، حيث تقلصت المساحات الصالحة للزراعة التقليدية وتبدلت أنواع المحاصيل نتيجة تغير خصائص التربة والمياه.. كما أدى تعديل النظام الهيدرولوجي للنهر – بما في ذلك التحكم في التدفقات وتقليل الفيضانات الطبيعية – إلى إضعاف عمليات الترسيب الطبيعي التي كانت تسهم في بناء وإستقرار الضفاف، ما جعلها أكثر عرضة للتآكل والانجراف.
مكاسب تنموية:
ورغم أن سد مروي أسهم في تحقيق مكاسب تنموية مهمة، أبرزها مضاعفة إنتاج الكهرباء وتوسيع الرقعة المروية في بعض المشاريع الحديثة ، إلا أن هذه الفوائد رافقتها تحديات بيئية معقدة، خاصة في المناطق التي تعتمد على الزراعة التقليدية المرتبطة بدورات النيل الطبيعية، ويبرز ذلك بوضوح في الولاية الشمالية، حيث أصبح المزارعون يواجهون واقعاً جديداً يتمثل في تراجع خصوبة التربة، وزحف الرمال، وتآكل الجروف، الأمر الذي يهدد إستدامة هذا النمط الزراعي التاريخي، ويدفع بإتجاه البحث عن بدائل تقنية أو أنماط إنتاج أكثر تكيفاً مع المتغيرات الجديدة.
وتشير دراسات هيدرولوجية وبيئية متخصصة إلى أن إنشاء سد مروي أسهم بشكل واضح في تقليص كميات الطمي المنقولة إلى مناطق المصب، إذ تعمل بحيرة السد كمصيدة طبيعية للرواسب، تحتجز الجزء الأكبر منها قبل انسياب المياه شمالاً.. وتؤكد هذه الدراسات أن هذا التحول أحدث تغييراً في الخصائص الفيزيائية والكيميائية لمياه النيل، ما انعكس مباشرة على التربة الزراعية في الولاية الشمالية التي فقدت مورداً تاريخياً للتخصيب الطبيعي، ونتيجة لذلك يواجه المزارعون تحديات متزايدة تتعلق بتراجع خصوبة الجروف وإرتفاع كلفة الإنتاج الزراعي بسبب الإعتماد على الأسمدة، في وقت تشير فيه بعض الأبحاث إلى مفارقة مائية تمثلت في إرتفاع منسوب المياه الجوفية بفعل البحيرة، وهو ما أعاد تشكيل أنماط الزراعة، لكنه لم يعوض بالكامل غياب الطمي الذي ظل لقرون عنصراً أساسياً في استدامة الإنتاج الزراعي على ضفاف النيل ففقد كثير من الأهالي مورد رزق ظل متوارثاً عبر الأجيال.