آخر الأخبار

عندما يكون حل المسؤول لمشكلات شعبه… التوصية بالصبر!

دكتور البشير الحسن أبونخل

 

 

في أوقات الأزمات الكبرى، تتجه أنظار المواطنين تلقائياً إلى مؤسسات الدولة وقياداتها، انتظاراً لما يفترض أن يصدر عنها من حلول ومعالجات وخطط عملية تخفف من وطأة المعاناة اليومية. فالدولة، في جوهر وجودها، لم تُنشأ لتشخيص المشكلات أو الاكتفاء بالتعاطف معها، وإنما لإدارتها واحتواء آثارها والعمل على معالجتها وفق الإمكانات المتاحة وبأدوات مؤسسية واضحة.

 

 

 

 

وخلال الأيام الماضية، تداولت وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تصريحات منسوبة إلى مسؤول سيادي رفيع، تضمنت دعوة المواطنين إلى التحلي بالصبر إزاء ما يواجهونه من تحديات تمس خدمات أساسية، في مقدمتها الكهرباء والمياه.

 

 

 

 

 

وبغض النظر عن السياق الكامل لتلك التصريحات أو الظروف التي أحاطت بها، فإنها تفتح باباً مشروعاً للتساؤل حول طبيعة الدور المتوقع من المسؤول العام عند مواجهة الأزمات الخدمية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة ويومية.

 

 

 

 

فالصبر قيمة إنسانية راسخة لا يختلف حول أهميتها اثنان، وهو جزء أصيل من ثقافة السودانيين الذين تحملوا خلال السنوات الأخيرة أعباء الحرب والنزوح وتدهور الخدمات والضغوط الاقتصادية. غير أن الصبر، بوصفه قيمة أخلاقية ومجتمعية، لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن السياسات العامة، أو الخطط التنفيذية، أو المعالجات المؤسسية التي تستهدف جذور الأزمة لا مظاهرها.

 

 

 

 

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ما الدور الذي أُنشئت من أجله الوزارات والمؤسسات التنفيذية إذا كانت المشكلات المزمنة التي تمس حياة المواطنين لا تجد طريقها إلى الحل، أو على الأقل إلى مسار واضح للمعالجة التدريجية؟

 

 

 

في أي دولة حديثة، تتوزع المسؤوليات بين مؤسسات محددة الاختصاصات، لكل منها مهام واضحة، وموازنات مرصودة، وخطط تنفيذية، وكوادر فنية وإدارية. وعندما تتعثر الخدمات أو تتراجع مستويات الأداء، فإن مقتضيات الحوكمة الرشيدة تفرض الوقوف على أسباب القصور، وتحديد مواطن الخلل بدقة، ومساءلة الجهات المختصة عن مدى التزامها بواجباتها تجاه المواطنين.

 

 

 

 

ولا يتعلق الأمر هنا بإلقاء اللوم على شخص بعينه أو جهة محددة، بقدر ما يرتبط بتكريس مبدأ مؤسسي أصيل، قوامه أن المسؤولية لا تنفصل عن المحاسبة. فالمواطن الذي يعاني انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، أو يجد صعوبة متكررة في الحصول على المياه، لا ينتظر توصية عامة بالصبر بقدر ما ينتظر إجابات محددة: ما أسباب الأزمة؟ ما خطة المعالجة؟ وما الجدول الزمني المتوقع لتحسن الخدمة؟

 

 

 

 

كما أن التحديات التي تواجه قطاعي الكهرباء والمياه ليست طارئة أو مجهولة بالكامل، بل هي ملفات ممتدة في النقاش العام منذ سنوات، وتحتاج إلى تخطيط طويل المدى، واستثمارات مستدامة، وبرامج صيانة وتحديث، وتنسيق فعال بين مؤسسات الدولة المختلفة. ومن ثم فإن تقييم الأداء في هذه القطاعات يجب أن يستند إلى مؤشرات قياس واضحة، ومراجعات دورية لما تحقق وما تعثر، مع تحديد المعوقات التي تعطل التنفيذ الفعلي للخطط المعلنة.

 

 

 

 

إن جوهر القيادة السياسية لا يقتصر على مخاطبة المواطنين في لحظات الأزمات، بل يتمثل في توجيه مؤسسات الدولة نحو إنتاج الحلول، وتعبئة الموارد، وإزالة العوائق، ومتابعة التنفيذ على أرض الواقع، ومساءلة المقصرين عند الاقتضاء. فهذه هي الوظيفة الأساسية للسلطة التنفيذية في أي نظام حكم يسعى إلى الفاعلية والجدية.

 

 

 

 

ولعل ما يحتاجه المواطن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو خطاب يبعث الطمأنينة عبر الأفعال لا الأمنيات، وعبر البرامج لا الشعارات، وعبر النتائج الملموسة لا الوعود المفتوحة. فالصبر مطلوب بلا شك، لكنه لا يعفي المؤسسات من مسؤولياتها، ولا يرفع عن المسؤولين واجباتهم، ولا يغني عن العمل الجاد لمعالجة المشكلات من جذورها.

 

 

 

 

إن الشعوب قد تصبر على الشدائد حين ترى جهوداً حقيقية تُبذل، وخططاً واضحة تُنفذ، ومحاسبة قائمة، وإرادة إصلاح جادة وملموسة. صحيح أن البلاد تخوض حرباً وجودية استنزفت جانباً كبيراً من مواردها المالية والبشرية، غير أن ذلك لا يعني أن تتوقف مؤسسات الدولة عن أداء واجباتها تجاه المواطنين، أو أن تُدار الملفات الخدمية الحيوية بمنطق الانتظار أو رد الفعل.

 

 

 

 

فحتى في ظروف الحرب، تبقى مسؤولية الدولة قائمة تجاه مواطنيها، وتظل قضايا الخدمات والمعيشة في صدارة الأولويات التي لا تحتمل التأجيل. وإذا كانت المؤسسات الرسمية لا تبادر إلى تحريك الملفات المرتبطة بحياة الناس اليومية، ولا تقدم حلولاً عملية ملموسة، فإن التساؤل حول جدوى الأداء المؤسسي يصبح مشروعاً ومفهوماً، بل إن التساؤل حول جدوى إستمرار هذا الثقل الإداري والمالي على الدولة يصبح مطروحاً بقوة، في ظل أعباء متزايدة تتحملها الموازنة العامة المثقلة بتكاليف الحرب.

 

 

 

 

أما حين يتحول الصبر إلى الوصفة الوحيدة المطروحة لمواجهة الأزمات، دون أن يقابله فعل مؤسسي واضح، فإن السؤال يبقى قائماً بإلحاح: إذا كان المواطن مطالباً بالصبر، فمن المسؤول إذن عن صناعة الحلول؟