
أنقذوا ما تبقى من روح وكالة السودان للأنباء والإذاعة والتلفزيون
أصداء من الواقع… ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023م مجرد معركة دمّرت المدن والبنية التحتية وشرّدت الملايين، بل امتدت آثارها القاسية إلى مؤسسات الدولة الوطنية، وعلى رأسها وكالة السودان للأنباء والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ، اللتان ظلتا لعقود تمثلان ذاكرة السودانيين وصوتهم الوطني الجامع.
*غير أن الأزمة اليوم لم تعد مرتبطة فقط بآثار الحرب، وإنما بما أعقبها من سياسات إدارية خلقت حالة واسعة من الإقصاء والتمييز وعدم العدالة داخل المؤسسات الإعلامية، حيث يشعر كثير من العاملين بأنهم أُبعدوا عن مواقعهم ووظائفهم وحقوقهم، بينما استأثرت مجموعات محددة بالفرص والمخصصات والامتيازات دون معايير واضحة أو شفافة.
*إن القضية ليست صراعاً شخصياً بين الزملاء، بل قضية عدالة وكرامة مهنية وإنسانية، خاصة في ظل الظروف القاسية التي يعيشها الإعلاميون ما بين النزوح وفقدان الاستقرار وضعف الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة.
*وقد هاتفني عدد من الزملاء العاملين بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وهم يحملون قدراً كبيراً من الغضب والإحباط، وأبلغوني أنهم أعدوا مذكرة لرفعها إلى رأس الدولة ورئيس مجلس الوزراء، بجانب التوجّه إلى محكمة العمل، احتجاجاً على ما وصفوه بسياسات الإقصاء والتهميش التي تمارسها إدارة الهيئة، والتي تُبرَّر ـ بحسب ما نُقل لهم ـ بأن الحكومة لا ترغب في تشغيل جميع العاملين بكامل وظائفهم واستحقاقاتهم.
*وقد دعوت الزملاء إلى التريث وإعطاء الفرصة للحوار المباشر مع إدارة الهيئة قبل اللجوء إلى التصعيد القانوني، لأن ما يحدث اليوم يُعد سابقة مؤسفة لم تشهدها مؤسسات الإعلام السوداني عبر تاريخها الطويل.
*إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة إعلامية وطنية هو شعور العاملين فيها بالظلم والتهميش، لأن الإعلام يقوم على روح الفريق والانتماء والشعور بالشراكة الوطنية. وعندما يفقد الإعلاميون الإحساس بالعدالة، فإن المؤسسة نفسها تفقد جزءاً كبيراً من روحها ورسالتها.
*لقد ساهمت أجيال متعاقبة من الإعلاميين والمذيعين والمخرجين والفنيين والصحفيين في بناء هذه المؤسسات الوطنية، وظلوا لعقود يحملون رسالة السودان إلى شعبه والعالم، ولذلك فإن إنصافهم وإعادة الاعتبار لهم ليس مجرد واجب إداري، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية.
*إن إنقاذ الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ووكالة السودان للأنباء لا يبدأ بالمباني والأجهزة الحديثة، وإنما يبدأ بإيقاف الإقصاء، وتحقيق العدالة الوظيفية، وفتح أبواب المؤسسات أمام جميع أبنائها دون تمييز أو احتكار للفرص.
*فالإعلام الوطني لا يُبنى بالغضب والمرارات، وإنما يُبنى بالعدالة والانتماء والشعور بأن الجميع شركاء في خدمة الوطن.
*ويبقى الأمل أن تستجيب الدولة ووزارة الإعلام لصوت العاملين، وأن تعود هذه المؤسسات بيتاً جامعاً لكل الإعلاميين السودانيين، حفاظاً على ما تبقى من روح الإعلام السوداني وكرامة رجاله ونسائه الذين ظلوا لعقود يحملون رسالة الوطن بإخلاص وتفانٍ.