شركاء المليشيا المتشاكسين… تجدد الصراعات
- انهيار صلح البني هلبة والسلامات قبل أن يجف مداد وثيقة حميدتي المعطوبة
- (عنف البادية ) أطل برأسه وقدميه في صراع (كبم)
- وثيقة حميدتي التي تمزقت بعد تجدد الصراع كان الهدف منها اصطناع صورة ذهنية زاهية للملشيا أمام العالم ليس إلا
- القبائل العربية السبع بولاية جنوب دارفور تماهت مع المليشيا ودارت بينها طواحين الدم
تقرير- دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
كل العالمين ببواطن الأمور في ما يجري داخل مجموعة القبائل العربية المتماهية مع مليشيا الدعم السريع التي تمردت على الدولة التي لم تكن جزءا منها فحسب بل من خلال قائدها المتمرد محمد حمدان دقلو الذي كان متنفذا في مفاصل السلطة بل ناهيا وامرا منذ 2019م حتى اندلاع الحرب الماثلة الآن بالبلاد منذ 15 أبريل2023م يدركون أن الوثيقة التي وقعت بين قبيلتي البني هلبة والسلامات لن تحقق صلحا وسلاما مستدام بينهما وذلك لأسباب كثيرة منها أن القبيلتين منذ سنوات حكم الانقاذ الوطني كانتا ولم تزالا على طرفي نقيض إذ أن ما بينهما تشاحن وتباغض ليس وليد اللحظة بل نتيجة تراكمات تاريخية ليس بين البني هلبة والسلامات فحسب إنما لكل المنظومة العربية بولاية جنوب دارفور والتي حدث داخلها انقسام داخلي خطير القي بظلاله السياسية والاجتماعية والامنية.
(1)

والشاهد على ذلك الانقسام الخطير ان منظومة القبائل العربية السبع قد انشطرت لشطرين الاول تحت المسمى لمختصر (هبت) ويعني قبائل الهبانية والبني هلبة والتعايشة ويسود عند خاصة وعامة القبائل الثلاث انها هي قبائل عربية اصلية لم تختلط بمجموعات غير عربية لذلك فهي عربية خالصة والشطر الثاني (ستقف) وتعني القبائل الاربع الاخرى السلامات والترجم والقمر والفلاتة ويسود عند خاصة وعامة هذه القبائل الاحساس بالدونية نتيجة حالة الاستعلاء التي تعاملها بها مجموعة (هبت) وقد رفع البروفسير إبراهيم غندور مساعد رئيس الجمهورية
ونائب رئيس المؤتمر الوطني في العام 2014م عندما ذهب لمدينة نيالا لاستلام نتيجة الترشيحات الداخلية لمنصب الوالي ومبعث الدهشة ان مجموعة (ستقف) قد تكتلت ضد مجموعة (هبت)حيث فاز مرشح (ستقف ) اللواء امن الدكتور عيسى آدم أبكرمن قبيلة الفلاتة على مرشح (هبت) اللواء الركن آدم محمود جارالنبي من قبيلة البني هلبة وقد ابدى البروفسير غندور استغرابه الشديد لذلك الامر حيث لمس بنفسه حالة الانقسام الحاد داخل حزبه وداخل منظومة القبائل العربية في ولاية جنوب دارفور وربما تكون حادثة نيالا هذه قد نبهت قادة الانقاذ بان القبيلة اصبحت اكبر من الدولة واكبر من حزبها الحاكم وقتها فالناس اصبحواعلى ( دين قبائلهم ومناطقهم) هي التي ادت لتعديل دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م والذي الغيت بموجب تعديلات انتخابات الولاة ليتم تعيينهم عبر رئيس الجمهورية وفق آلية محددة وردت في التعديلات بشكل مجمل وفصلها القانون وحسنا فعل لانه لو لم يفعل لكانت المفاجاة أن ترشيحات المؤتمر الوطني في العاصمة الاتحادية القومية (الخرطوم) قد غشيتها ايضا القبلية المرتبطة بالمناطقية فكان مرشح الجموعية جنوب ام درمان الدكتور عمار حامد سليمان ومرشح الجموعية شمال ام درمان المهندس مستشار جودة الله عثمان بنيما رشحت قبيلة البطاحين المهندس المرحوم صديق الشيخ ورشحت مجموعات كردفان القاطنة بمحليات العاصمة الاتحادية الدكتور فيصل حسن إبراهيم بينما لم يكن هناك مرشح لولايات وقبائل دارفور حيث رجحت وقتها مصادر عليمة انها لم تقدم مرشحا لمنصب والي الخرطوم لأسباب ذات صلة بأحداث ام درمان مايو2008م وما اعقبها من ملاحقات أمنية لبعض مجموعات قبيلة الزغاوة والنهاية الماساوية لزعيم حركة العدل والمساواة الدكتور خليل إبراهيم والتي لم تندمل جراحتها
(2)
من السطور السابقة اكون قد سلطت الضوء على طبيعة الصراع الذي بدأ سياسيا لكنه اصبح دمويا بين القبائل العربية خاصة في ولاية جنوب دارفور وقد استطاع المتمرد محمد حمدان دقلو (حميدتي)خلال سنوات تحضيراته للحرب الماثلة ومنذ توليه منصب نائب رئيس المجلس السيادي ان يستقطب كيانات أهلية وبيوتات دينية وشخصيات مجتمعية عامة حيث استخدم معهم سياسة العصا والجزرة والترهيب والترغيب ولكن المنظومة العربية للقبائل والمجموعات السكانية بولاية جنوب دارفور فقد سعى لتوحيدها برغم ان ما بين (هبت) و(ستقف) ما صنع الحداد وقد نجح صوريا حيث أبدت مجموعة القبائل السبع ترحيبها ودعمها لمليشيا الدعم السريع في اجتماع في الاسابيع الاولى للحرب أعلنت فيه تماهيها المطلق مع المليشيا.
(3)
ولكن مع مرور الأيام بدأت تلوح بوادر الخلاف بين مجموعة القبائل السبع في ما بينها وما بينها وبين قبيلة الرزيقات من جهة وبين خشم بيت الماهرية والذي من الواضح انه قد احكم السيطرة والنفوذ على مفاصل الثروة والسلطة والامداد والعلاقات الخارجية داخل المليشيا والتي اصبحت تدار بواسطة الماهرية وفي الماهرية باقرب الأقربين لآل دقلو مما اعطى الاشارات المهمة
أن المليشيا استطاعت باسم( الهامش) و(ظلم السودان النيلي) و(دولة 1956م) أن توظف ذلك لمصلحة ان تصل للحكم بأي وسيلة وظنت أن اشعال الحرب ومن خلال طرح تلك الاطروحات انها ستصل لمبتغاها ونسيت بل وتناست إنها زرعت الفرقة والشتات من خلال استئثار الماهرية بكل شئ مما ادى لتململ كل منظومة القبائل العربية الكردفانية والتي شعرت بالتهميش والدارفورية والتي أبدت امتعاضها من هيمنة قبيلة الرزيقات وخاصة عشيرة الماهرية وبالاخص أسرة آل دقلو والمقربين منها وقد نالت مجموعتي (هبت) و(ستقف) حظها الأوفر من التهميش وقد كان (البني هلبة) و(السلامات)الأكثرتضررا مما حدا بشباب مدينة عد الفرسان الدخول في اعتصام مفتوح استمر لأكثرمن شهرين في العام الماضي احتجاجا على التمهيش الذي وجدته قبيلة البني هلبة برغم انها دفعت مئات الآلاف من المقاتلين في محاور القتال المختلفة دون ان تجني من كل ذلك شئيا غير وعود كاذبه من ناظر عموم البني هلبة التوم عيسى دبكة عراب تماهي قبائل ولاية جنوب دارفور(هبت) و(ستقف)
مع المليشيا أما قبيلة السلامات فقد كان حظها من التهميش والتمييز خلال فترة تماهيها مع مليشيا الدعم السريع المتمردة على الدولة التي كانت جزءا منها كبيرا وعظيما حيث دخل المقاتلون الشباب من قبيلة السلامات في احتكاكات مع آل دقلو مطالبين بحقوقهم ومستحقاتهم ومستحقات الذين ماتوا او الذين فقدوا ولم تعرهم قيادة المليشيا اهتماما بل سلط عليهم المتمرد عبدالرحيم دقلو فرق التقتيل والسحل والتشريد والتعذيب ونالوا ما نالوا من الاذى والترهيب فهرب بعضهم لمهارب شتى والذين بقوا داخل المليشيا عانوا الأمرين حيث نالوا المزيد من التمييز والغلظة في التعامل والتهديد بالموت والسحل.
(4)
واحدة من الوسائل التي تحاول مليشيا أل دقلو خاصة مجموعة عبدالرحيم دقلو المتنفذة الباسطة سطوتها على المفاصل الحيوية ان تبقى في مناى عن أي مشكلة تسبب لها ارقا وتدفعها لدفع اي أموال أومجهودات هي بين منظومة القبائل العربية بولاية جنوب دارفور..فمن الثابت ان المليشيا وبشهادة شهود عيان قد لعبت دورا كبيرا في الاحداث التي شهدتها مدينة (كبم) حيث اسهمت في تأجيج الصراع بين البني هلبة والسلامات وإعادة انتاجه بعد فترة توقف دامت أكثر من اربع سنوات حيث قامت مجموعات من المليشيا بدور (المديدة حرقتني)تلك الممارسة المعروفة لدى اطفال السودان ولما دخل الصراع بين القبيلتين مرحلة متأخرة (عشرات القتلى ومئات الجرحى والمفقودين وتهتك النسيج الاجتماعي وتوقف الحياة في مدينة كبم الشهيرة بإنتاج عسل النحل الاصلي) خرج حميدتي بنفسه وأعلن انخراط البني هلبة والسلامات وتم توقيع وثيقة صلح على عجل دون مخاطبة الاسباب الجذرية والتاريخية للصراع وكانت النتيجة ان تجدد الصراع مجددا خلال الأيام القليلة الماضية وفقا لتقرير قدمته أصداء سودانية أول أمس بين القبيلتين نتيجة هشاشة وثيقة الصلح التي رمى من خلالها حميدتي ارسال رسالة تطمينية للعالم بانه داعية محبة وسلام بدليل انه توسط بين المقاتلين لايقاف الصراع الذي احتدم بينهما ولما كانت الوثيقة هشة كان من الطبيعي ان يتجدد الصراع وبصورة اعنف من الذي حدث على أيام عيد الاضحى المبارك.
(5)

وقد جاء في تقرير أصداء سودانية والذي نشرته تحت عنوان (تمزيق وثيقة حميدتي: تجدد القتال الدامي بين حلفاء المليشيا في جنوب دارفور ) حيث اشار التقرير إلى تجدد القتال بين البني هلبة والسلامات بعد توقف لمدة اسبوعين من توقيع وثيقة صلح نهائي بين الطرفين واكد التقرير وفقا لشهادات شهود عيان ومصادر محلية متطابقة ان التسليح الذي يتم للمتقاتلين باعتبارهم حلفاء مليشيا الدعم السريع.
وغني عن القول أن الصراع بين قبيلتي البني هلبة والسلامات تعود جذوره لأسباب تاريخية متطاولة الأزمان وأنه يرتبط ارتباطا أساسيا بتواجد القبيلتين في محلية( كبم)إذ يعتبر كل طرف إنه صاحب الأرض فيها وقد شهد شهرأغسطس من العام 2023م صراعا داميا برغم إعلان القبيلتين من خلال إعلان منظومة القبايل العربية بنيالا عقب اندلاع الحرب في أبريل 2023م انحيازهما لقوات الدعم السريع المتمردة وقد تم التوصل بينهما في يونيو 2024م إلا انه انهار مجددا وتم توقيع وثيقة حميدتي والتي انهار صلحها قبل أن يجف المداد الذي كتبت به لأنها بنيت على أسس هشة.
(6)
ثمة حقيقة في غاية الأهمية لابد من استدراكها وهي أن الصراع العربي في دارفور له أبعاد تاريخية موغلة في القدم وأسبابه ذات صلة مباشرة بأسباب كسب سبل العيش والموارد الطبيعية والأراضي ومصادر المياه ومن المهم ايضا استدراك ان الصراع يزداد حدة وعنفا لما يكون داخل المجموعة الواحدة فالصراع العربي العربي في ولاية جنوب دارفور هو الاشد والاعنف بينما الصراع بين المجموعات العربية والمجموعات غير العربية يكون اقل حدة برغم ان الاخير تكون له اثار وجراحات من الصعب ان تندمل لارتباطه بالاثنيات والعرقيات والألوان وقد بحثت عدد من الدراسات والتقارير في ذلك الأمر ومنها دراسة الحرب الاخرى (الصراع العربي الداخلي في دارفور) للباحثة والصحفية جولي فلينت وقد وصفتها بالصراعات المنسبة التي لايتم تذكرها وتذكر أسبابها واثارها إلا بعد ان تندلع مجددا فهي صراعات طابعها معقد تقوم اسبابها على التنافس على الموارد وصراعات النفوذ والتحالفات المتغيرة بين المجموعات العربية والتي يقف الصراع الماثل بين البني هلبة والسلامات النموذج الاوضح لها والذي زادت طينه بلة وحريقه حطبا سياسات المليشيا التي تقوم على سياسة صناعة حلفاء متحالفين معها متشاكسين في ما بينهم ونتيجة ذلك اطل عنف البادية برأسه وقدميه في الصراع بين البني هلبة والسلامات وقد تجدد مؤخرا بصورة أبشع حيث دارت طواحين الدم بين القبائل العربية السبع بولاية جنوب دارفور نموذج (البني هلبة والسلامات).