
السيادة الصناعية.. سلاح الإعمار ومعركة إستقلال القرار الاقتصادي
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*تمر الأوطان بمنعطفات تاريخية قاسية تُعيد صياغة أولوياتها وتكشف عن مكامن قوتها الحقيقية. وحينما تضع الحرب أوزارها في بقعة عانت من ويلات الخراب الممنهج، لا يصبح الإعمار مجرد ترف خدمي، بل معركة وجودية توازي في أهميتها معركة السلاح. إن ما شهدته ولاية الجزيرة مؤخرًا من تدمير طال نحو 80% من محلياتها وقراها، ونهب منظم لبنيتها التحتية وتصفية لأسطولها الخدمي والآلي، يضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الارتهان لأسواق الاستيراد واستنزاف النقد الأجنبي، أو خوض غمار الاعتماد على الذات وتوطين الصناعة الوطنية كدرع واقٍ للاقتصاد والسيادة.
*إن التوجه نحو الشراكة الاستراتيجية مع المجمعات الصناعية الهندسية الوطنية كجياد مثلا، يمثل الخيار الاقتصادي والوطني الأوحد في هذه المرحلة الحرجة. فعندما تلتزم الإدارة المحلية بإعطاء الأولوية القصوى للمنتج المحلي لتلبية احتياجات الإعمار في قطاعات التعليم والصحة والنظافة والنقل، فإنها لا تقوم بصفقة تجارية عابرة، بل تضع حجر الأساس لنموذج اقتصادي مرن وقادر على الصمود. تصنيع الجرارات، والآليات الثقيلة، والقلابات، والأثاثات الطبية والمدرسية محليًا يعني إبقاء الكتلة النقدية داخل الدورة الاقتصادية للبلاد، والحد من تسرب العملة الصعبة إلى الخارج، مما يحمي القرار الاقتصادي الوطني من الإملاءات الخارجية وضغوط سلاسل الإمداد الدولية.
*ومع ذلك، فإن نجاح هذه الرؤية وتجاوز كبوات التخريب والنهب لا يمكن أن يرتكز فقط على العواطف الوطنية أو الرغبة في الدعم؛ بل يتطلب بيئة تشريعية واقتصادية صلبة توفرها الدولة.. إن الحكومة مطالبة اليوم بصياغة حزمة من الحوافز التشريعية والمالية الاستثنائية لحماية المصانع الوطنية الشامخة من غول المنافسة الخارجية غير المتكافئة. *يشمل ذلك تفعيل سياسات الإعفاء الجمركي والضريبي على مدخلات الإنتاج والمواد الخام، وتسهيل الإجراءات البيروقراطية في المناطق الحرة، وضمان طرق إمداد آمنة وميسرة.. كما يجب فرض رسوم حمائية مؤقتة على السلع المماثلة المستوردة لتمكين المنتج المحلي من الوقوف على قدميه واستعادة طاقته التشغيلية الكاملة.
*إن التوطين الحقيقي للصناعة يتجاوز مجرد تركيب الآلات؛ إنه نقل للمعرفة وتأهيل للمورد البشري.. وفي هذا السياق، تبرز ضرورة الانفتاح على التجارب الإقليمية الرائدة، وعلى رأسها التجربة الصناعية المصرية المتخصصة، للاستفادة منها في مجالات التدريب المهني المتطور، ونقل الخبرات التكنولوجية، وإدارة خطوط الإنتاج بكفاءة عالية. إن هذا التكامل المعرفي سيختصر سنوات من التجربة والخطأ، ويضع معايير الجودة المحلية في مصاف المواصفات العالمية.
*العمود الفقري لهذه النهضة الصناعية المرتقبة هو العقول والسواعد الشابة. إن السودان يمتلك ثروة هائلة من الخريجين في مجالات الهندسة والتقنية والتقانة، وخاصة المتخصصين في هندسة السيارات والمعدات الثقيلة. دمج هؤلاء الشباب في المصانع الوطنية ليس مجرد مسؤولية اجتماعية للحد من البطالة، بل هو ضخ لدماء جديدة تملك الشغف والقدرة على الابتكار وتطوير خطوط الإنتاج. إن تلاقي خبرة الكوادر المؤسسة مع حماس الأجيال الشابة وتأهيلها التكنولوجي سيكفل دوران الماكينات بكفاءة مضاعفة، لتخرج البلاد من رماد الدمار أقوى وأكثر اعتماداً على ذاتها.
*إن إعمار ما دمرته الأيدي العابثة هو معركة شرف وطني، والاعتماد على السواعد والمصانع المحلية هو الضمانة الوحيدة لكي لا نقع مجددًا تحت رحمة الاستيراد. إن الإرادة السياسية الداعمة للمنتج الوطني، مدعومة بحوافز تشريعية ذكية وعقول شبابية متقدة، هي الوقود الذي سيدير محركات مصانعنا لترسم فجرًا جديدًا للاستقلال الاقتصادي الكامل والتنمية المستدامة.