
إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني
بُعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى ابوالعزائم
*تلقيت خلال الأيام الماضية رسالة وودعوات طيبة من العالم والخبير البروفيسور محمد حسين سليمان ابوصالح، يشكر فيها ما كتبناه في هذه المساحة قبل أيام تعليقا على فيديو سبق تداوله بكثافة للبروفيسور أبوصالح يتحدث فيه عن أسس تكوين الدولة الحديثة، وسبق لي أن شهدت وشاركت في ورشة عمل عن تنظيم وإدارة الوقت قبل نحو أربع سنوات كنت حريصاً على المشاركة فيها، بعد أن وصلتني دعوة كريمة من الأخ الكريم الأستاذ الطيب سعدالدين، مدير إعلام ولاية الخرطوم آنذاك والوزير المكلف الحالي، وقد كانت الدعوة بإسم الوالي الأستاذ أحمد عثمان حمزة للمشاركة في تلك الورشة، والتي كانت تحت شعار (الوقت هو الحياة)، نظمتها الولاية بالتعاون مع المنظمة القومية لإحترام الوقت يوم الإثنين السابع عشر من أكتوبر في العام 2022 م، وقدمها المدرب الدكتور محمد عبدالله هِمّت، وكنت داخل القاعة المخصّصة لورشة العمل قبل الموعد، لأعرف مدى إلتزام المشاركين في الورشة بالموعد المحدد لها؛ لكن لم يتأخر أحد ، وسجل الجميع حضورهم باكراً بمن فيهم السيد الوالي وأستاذنا البروفيسور علي شمو ، وهو الرئيس الفخري للمنظمة.
*كان الموضوع جاذباً ومهماً، وشارك في الورشة كل مديري الإدارات تقريباً بحكومة ولاية الخرطوم، وعدد كبير من الرموز والشخصيات العامة، من بينهم رجل الأعمال الكبير وأحد الباذلين الجهد والوقت والمال من أجل قضايا مجتمعه ، السيد صالح عبدالرحمن يعقوب ، والسفيرين الدكتور علي يوسف وزير الخارجية الأسبق، و عبدالحافظ ابراهيم، والمهندس عبدالغفار الكودة، والشيخ الأستاذ الماحي حاج علي، خطيب وإمام الجمعة في مسجد الشهيد الزبير في المهندسين بأم درمان، و كثيرون.
*ذلك الحضور الكبير كان لسببين في تقديري الشخصي، الأول هو أهمية الموضوع وأثره في التنمية البشرية والحضرية، ثم لمتابعة ما يقوم به والي الخرطوم من عمل كبير رغم ضيق الإمكانيات المتاحة أمامه وأمام حكومته، بل وأمام كل بلادنا في هذه الظروف والتعقيدات السّياسية الحرجة.
*تذكرت أبيات أمير الشعراء أحمد شوقي التي يقول فيها:
دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني
فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ٌثاني
والحياة بالفعل دقائق وثوان، وهي قصيرة إلى أبعد الحدود لكن الإنسان يرى كأنما هو خالدٌ مخلدٌ فيها، وهو يعمل ويسابق الزمن من أجل كسب الوقت وإختصاره وظهر ذلك في المخترعات ، مثل صناعة العربات التي تجرها الخيول، إلى صناعة السيارات الحديثة، وحاول عباس بن فرناس أن يختصر المسافات من خلال محاولته الطيران، وقد فقد بسبب ذلك حياته ، لكن محاولات اللاحقين لم تتوقف فوصل الإنسان القمر، وغزا الفضاء، وتطورت أساليب البشرية في أكتشاف وتطوير وإستغلال الطاقة، وأحال كثير من الناس ليلهم نهاراً بالثريات والإضاءة الكهربائية وغير الكهربائية ، يحاولون أن يعيشوا ساعات أطول من الساعات التي كانت ستكون على الأسرّة وتحت الأغطية في ليالي الشتاء أو بدون أغطية في ليالي الصيف.
*ثم جاء قرننا الحالي الحادي والعشرين، فكانت ثورة الإتصالات الحديثة التي أحدثت هذا التغيير الكبير في حياة الإنسان، والتحول الكبير في مسيرة الإنسانية.
*كانت ورشة تنظيم وادارة الوقت تنبيهاً مهماً لنا لنكون أكثر حرصاً على إستثمار الوقت ، خاصة ساعات العمل داخل دواوين الخدمة العامة.
*وشارك البروفيسور أبوصالح في تلك الورشة ، قدم دراسة أثبتت أن متوسط عمل موظف الخدمة العامة في السودان لا يتجاوز الخمس وأربعين دقيقة من سبع ساعات عمل مطلوبة يومياً
*أذكر أنني قدمت من داخل ورشة العمل تلك مقترحاً ليكون ضمن توصيات الورشة، يقضي بإستخدام الأجهزة الخاصة بمنع وتعطيل شبكات الإتصالات داخل مؤسسات الدولة، لأن كثير من الوقت يتم هدره في إستخدام الوسائط، وإذا تم تعطيل شبكات الإتصالات فإن هذا يعني توفير ساعات عمل وجهد أكثر لصالح الخدمة العامة ، وهو لا يحرم الموظف أو العامل من إستخدام هاتفه للمحادثات فقط ، بينما تتوفر خدمات شبكة الإتصالات للأجهزة الخاصة بالعمل فقط ، ورحب المشاركون بالمقترح وأشاد به البروفيسور أبوصالح.. وأضفت إلى ذلك أنه من أجل تحقيق مكاسب أكثر وتوفير ساعات لصالح العمل وللمواطن لابد من أن تتجه الدولة في عموم مؤسساتها ذات الإرتباط بالجمهور خاصةً في مجال الخدمات، إلى العمل بنظام التواصل الإلكتروني، حتى نتجاوز مرحلة ( تعال بكرة أو بعد بكرة ) وقد رأينا نجاح التجربة في تعاملات الشرطة في تقديم خدمات الجمهور ، ومثل ذلك مع تعاملات وزارة التربية والتعليم، خاصةً في مجالات إستخراج الشهادات وتعبئة الإستمارات ، وهو ما تعارف الناس على تسميته بالحكومة الذكية.
*لكن هذه الحرب اللعينة جاءت لتفسد كل شيئ وتقعد به إلى أجل غير مسمى.